حين كسرت فتاة قواعد المهنة: حكاية ميكانيكية صنعت طريقها بيديها

 حكاية فتاة ميكانيكية صنعت طريقها بيديها

فتاة ميكانيكية تكسر الصورة النمطية وتعمل في ورشة سيارات باحتراف

لم تكن رحلتها بحثًا عن شهرة ولا محاولة لإثبات تفوق بل كانت مسارًا طويلًا من الشغف والتعب والصبر.

منذ أن كنتُ صغيرة أحببت الوقوف تحت السيارة أكثر من وقوفي أمام المرآة. رائحة الشحم كانت تدخل رأسي فتسعدني أكثر من أي عطر فاخر وصوت المحرك وهو يُفكّ ويُصلح كان بالنسبة لي موسيقى. شيئًا يشعرني أنني في مكاني الصحيح.

كان أبي ميكانيكيًا بسيطًا وورشته متواضعة.لكنها بالنسبة لي كانت عالمًا كاملًا… عالمًا مليئًا بالحركة والحياة ولا مكان فيه للعبث أو المزاح الفارغ.

كل مسمار له موضعه وكل خطأ له ثمنه وكنت أعشق هذا النظام.

وأنا طفلة.كان الناس يرونني واقفة بجانبه فيضحكون ويقولون: هذه بنت.ماذا تفعل هنا؟

لم أكن أغضب.كنت أظنهم يمزحون ولم أفهم أن تلك الضحكات كانت تحمل سخرية وانتقاصًا مني.

كنت أعود من المدرسة.أترك الحقيبة وأجري إلى الورشة.أجلس على الأرض وأراقب يدي أبي وهو يعمل وأسأله كثيرًا.فيجيبني على قدر عقلي.أحيانًا يضحك وأحيانًا يقول: ركّزي في دروسك.

لكنني لم أحب الدروس بقدر حبي لتلك اللحظة التي تعود فيها السيارة للعمل.اللحظة التي يبتسم فيها صاحبها.اللحظة التي يمسح فيها أبي يديه في القماشة وينظر إليّ ويقول:

أرأيتِ؟ الأمر بسيط.لكنه يحتاج إلى صبر.

كبرت قليلًا وصرت أفهم أكثر وبدأت أمدّ يدي.

مرة أمسك مفكًا ومرة أمسح زيتًا ومرة أساعده في شيء صغير وهو يتركني. ربما لأنه كان يظنها لعبًا.أو لأنه لم يتخيل يومًا أن فتاة قد تكبر وتكمل في هذا العمل.

اعتاد أهل الشارع رؤيتي.لكن التعليقات لم تتوقف:

هذه ليست مهنة بنات.مكانها البيت.

كنت أسمع ولا أتأثر.لم تهزني كلمة.ربما لأنني كنت صغيرة.أو لأنني كنت عنيدة.

في المدرسة كانوا يسألونني: ماذا تريدين أن تصبحي عندما تكبرين؟

فأقول: ميكانيكية.

فيضحكون وحتى المدرس كان يبتسم ويقول: غيّري الإجابة.

فأغيرها أمامه.لكن بداخلي ظلّ الحلم ثابتًا: أن أكون ميكانيكية.

كبرت أكثر وصرت واعية وفهمت أن المجتمع يرسم لكل شخص طريقًا ومن يخرج عنه يتعب.

كنت مستعدة للتعب.أسير خلف قلبي فقط.دون حسابات.

دخلت كلية لا أحبها.ليس لأنني غير مجتهدة.بل لأنني لم أكن أملك خيارًا.

المهنة التي أحبها لم يكن لها باب مفتوح لواحدة مثلي.فقلت لنفسي: أسلك طريقًا آخر.ربما أرتاح. لكنني لم أرتح.

كنت أنهي محاضراتي وأجري إلى الورشة.أغيّر ملابسي وأنسى كل شيء. هناك كنت أنا…لست طالبة ولا فتاة مختلفة.بل إنسانة تعمل.تتعلم.تخطئ وتصلح.تسقط وتنهض.

بدأ أبي يلاحظ أن الأمر ليس لعبًا وأنني لا أملّ ولا أتعب ولا أنفر.بل على العكس.كل يوم أحب العمل أكثر وكل يوم كانت عيناي تلمعان وهنا بدأ يقلق.

قال لي مرة: أنتِ بنت وهذه مهنة رجال.

كنت أسمع هذه الجملة كثيرًا.لكن هذه المرة خرجت منه بنبرة خوف.

احترمت خوفه… لكنني لم أستسلم.

استمريت كما أنا.من الكلية إلى الورشة إلى البيت وكل يوم على نفس الوتيرة.

وفي يوم.دون تخطيط.صوّرني أحدهم وأنا أعمل.

صورة عادية: سيارة مرفوعة.يداي متسختان ووجهي مليء بالتركيز. نُشرت الصورة ولم أكن أعلم أنها ستغيّر حياتي.

استيقظت لأجد الهاتف يرن.رسائل.تعليقات.أناس يشجّعون وآخرون يستغربون وغيرهم يهاجمون.

كنت واقفة في المنتصف.لا أفهم.لكنني أشعر أن شيئًا كبيرًا قد حدث.


بدأ الناس يأتون خصيصًا لرؤيتي.لا من أجل السيارة.بل من أجلي أنا. كان ذلك مرهقًا.لكنه كان دافعًا.جعلني أشعر أن ما أفعله ليس خطأ وأن هناك غيري يحتاج أن يرى هذه الصورة.

ثم جاءت الفرصة. باب فُتح.دراسة حقيقية وعمل جاد.لا مجرد تجربة ورشة.

وقفت أمام نفسي: إما أن أستمر كما أنا.أو أخطو خطوة إلى الأمام واخترت الخطوة.

تركت كل شيء خلفي ورحلت وقلبي مليء بالخوف والحماس.

لكنني كنت أعلم أن العودة لن تكون كما كانت.لأن من يرى حلمه يقترب…مستحيل أن ينساه.

أنا عندما اتخذت قرار الرحيل.لم أكن شجاعة جدًا.كنت خائفة إلى حد الرعب.لكن هناك فرقًا بين خوف يوقفك وخوف يدفعك للحركة وخوفي كان يدفعني للأمام.لا يعيدني للخلف وكان ذلك أول درس تعلمته خارج مكاني.

سافرت وحدي.بحقيبة صغيرة وقلب مثقل وكل خطوة كنت أشعر بها تمزقني من الداخل.لكنني كنت أقول لنفسي إن ما ينتظرني يستحق وحتى لو كنت مخطئة.يكفيني أنني جرّبت ولن يقول لي أحد ابقي مكانك.

في أول يوم دخلت المكان الجديد.شعرت أنني غريبة.ليس لأنني فتاة.بل لأنني آتية من عالم آخر.لهجتي مختلفة وطريقتي مختلفة وحتى ثقتي كانت واضحة أكثر من اللازم.ربما لأنني كنت أحاول إخفاء خوفي.

في البداية.لم يأخذني أحد على محمل الجد.ظنوني جئت للتجربة.أو للتصوير.أو لصنع ترند.فصمتُّ ولم أدافع عن نفسي.لأن العمل هو من يرد.لا الكلام وكنت أنتظر تلك اللحظة.

بدأت أدرس بجد وأتعلم بشكل صحيح وأفهم السبب قبل التنفيذ وأدرك أن ما كنت أفعله في الورشة كان غريزة.أما هنا فهو علم وكنت سعيدة.حتى وأنا متعبة.لأن كل معلومة كانت تقربني من نفسي.

كانت هناك أيام أعود فيها إلى غرفتي غير قادرة على الوقوف.يداي تؤلمانني ورأسي يضج وأصوات الناس في أذني.لكنني لم أقل يومًا سأرحل ولم أقل كفاية.لأنني لم أؤمن بالكفاية يومًا.

الغربة صعبة ولا أحد ينكر ذلك.لكن الأصعب أن تكون غريبًا عن حلمك وأنا هنا كنت قريبة منه جدًا.ألمسه.أفهم لغته وأشعر كأنه يكلمني وكان ذلك يمنحني القدرة على التحمل.

وسط كل هذا.كنت ما زلت فتاة.أضحك وأمزح وأحب وأرتدي ما أحب.لم أحاول إثبات أنني شخص آخر ولم أغيّر نفسي لإرضاء أحد.من تقبّلني فأهلاً ومن لم يفعل.فالطريق واسع.

قال لي أحدهم مرة: أنتِ قوية.فضحكت.لأن القوة ليست عضلات ولا صوتًا مرتفعًا.القوة أن أستمر وأنا خائفة وأن أعود في اليوم التالي وأنا مكسورة قليلًا.لكنني ما زلت واقفة.

بدأوا يرون عملي ويخطئون أمامي ويستغربون حين أصلح ولم أشمت يومًا.بل كنت أفرح.لأن ذلك كان اعترافًا بلا كلمات.اعترافًا بأن من أمامهم ليست تجربة.بل إنسانة فاهمة.

كلما تعلمت أكثر.تذكرت أبي.تذكرت يده وصبره وهدوءه وشعرت أن ما أفعله امتداد.لا خروج وأن الصنعة التي تربيت فيها تكبر معي ولا تتركني.

جاءت لحظة شعرت فيها أنني وصلت.لا شهادة ولا لقب.بل لحظة بسيطة.سيارة متوقفة والجميع قال إنها لن تعمل.عملت بهدوء وحين دارت.صمتوا وابتسمت.

حينها فهمت أن الرحلة كلها كانت من أجل تلك اللحظة.لأثبت لنفسي قبل أي شخص.أن مكاني ليس صدفة وأن ما أحببته طفلة كان ينتظرني وأنا كبيرة.

نظرت إلى الطريق الذي مضى.فوجدت تعبًا ودموعًا ووحدة.لكنني وجدت نفسي وكان ذلك كافيًا.لأن من يجد نفسه.لا يضيع مرة أخرى.مهما حاولت الدنيا.

جاءني سؤال: هل سأكمل من أجل نفسي فقط؟ أم أن هناك غيري يحتاج أن يرى ما رأيته؟ عندها شعرت أن الحلم صار أكبر مني وأن ما أخذته يجب أن أرده.لا مالًا.بل معرفة.

قررت العودة.لا هروبًا.بل رجوعًا بقلب أقوى وعين مفتوحة ونية صافية.أردت فتح باب ولو صغيرًا.لمن يشبهني.لمن تقف حائرة وتسمع نفس الكلمات.

وأنا في الطريق.كنت أعلم أن المواجهة القادمة أصعب.لأن العودة دائمًا أصعب من الرحيل.لكنني كنت مستعدة.لأن من انكسر سابقًا.لم يعد يخاف من الشرخ.

عدتُ ولم أكن الفتاة نفسها التي رحلت.لم أكن أفضل من الناس ولا أعلى منهم.لكنني كنت أوضح.أرى نفسي بصدق.أعرف من أنا وماذا أريد وكان ذلك وحده كافيًا ليشعر به كل من يقف أمامي.

ما إن دخلت الورشة.حتى كانت الرائحة ذاتها والصوت نفسه.لكن الإحساس اختلف.هذه المرة لم أكن أتعلم.بل أعمل.أقرر وأفهم وكان أبي يقف بعيدًا قليلًا.يمنحني المساحة ويترك لي المكان.

استغرب الناس في البداية.تساءلوا لماذا عدتِ ولماذا لم تكملي هناك وتأخذي فرصتك وكنت أبتسم.لأنهم لم يفهموا أن هناك أحلامًا لا تكون فردية.أحلام تكبر حين تُشارك.لا حين تُحتكر.

عاد الكلام من جديد.قالوا إنها تظن نفسها شيئًا.تعلمت قليلًا وجاءت تتصرف كخبيرة وكنت أسمع.لكن الصوت لم يعد يؤلمني.كان بعيدًا.كأنه لا يخصني ولا يوجَّه إليّ.

بدأت خطوة خطوة.بلا اندفاع ولا تحدٍّ.بل بهدوء.سيارة بعد أخرى ومشكلة تلو الأخرى وكانت النتيجة دائمًا هي من تتحدث.فتركت العمل يسبق اسمي ويتقدم عني.

وفي يوم وقفت فتاة أمام الورشة.مترددة.تنظر ثم تمضي.فناديتها وسألتها إن كانت تحتاج شيئًا.قالت لا.لكن عينيها قالتا نعم وفي تلك اللحظة.فهمت كل شيء.

بدأت أحكي لها.بلا تنظير ولا نصائح كبيرة.فقط حكاية.حكايتي وكانت تستمع بقلبها لا بأذنها.ثم عادت ومعها فتاة أخرى.ثم ثالثة وكأن الدائرة بدأت تتسع.

لم تعد الورشة مجرد مكان عمل.بل صارت مساحة أمان وتجربة ومكانًا يخطئ فيه الإنسان دون أن ينكسر ويتعلم دون أن يُحاكم وكنت سعيدة.لأن تعبي عاد إليّ أخيرًا.

حتى الشباب تعلموا.من كان مستغربًا صار متعاونًا ومن كان ساخرًا صار صامتًا.لأن العمل حين يسير بشكل صحيح.لا يترك مساحة للكلام الفارغ أو الأحكام السهلة.

قال لي أحدهم مرة: لقد غيّرتِ الفكرة.فضحكت.لأنني لم أغيّر أحدًا.أنا فقط ظهرت وكان ذلك كافيًا ليجعل السؤال يولد وحده.بلا فرض أو إجبار.

صرت أدخل وأخرج.أشرح وأعلّم.دون أن أغيّر نفسي أو أرتدي قناعًا.كنت فتاة عادية.تحب وتفرح وتتعب.لكن حين أمسك المفتاح.يسود الصمت.

أكثر ما كان يسعدني.أن أرى فتاة تقف تحت سيارة.بالنظرة نفسها التي كانت في عيني وأنا صغيرة.نظرة الفضول والحلم.فأدرك أن السلسلة لم تنتهِ عندي.

فهمت حينها أن الأنوثة ليست ضعفًا وأن القوة ليست شكلًا وأن العمل لا جنس له.فالمحرّك لا يسأل والمسمار لا يفرّق.ما يهم هو اليد التي تفهم.

لو عاد بي الزمن.لسلكت الطريق نفسه.بالتعب ذاته والخوف نفسه.لأن من يصل بسهولة.يرحل بسهولة.أما من يتعب.فيغرس قدميه جيدًا.

أنا لست قصة بطلة ولا حالة نادرة.أنا إنسانة أحبت شيئًا واستمرت ورفضت السير بمحاذاة الجدار واختارت طريقها.حتى لو كان ضيقًا.

وإن دخلت يومًا ورشة ورأيت فتاة تصلح سيارتك.فلا تستغرب ولا تشك.فقط اسألها: هل تحبين ما تفعلين؟

إن قالت نعم.فاطمئن،

السيارة في يدٍ أمينة.

نهاية القصة

تعليقات