بعد 16 عامًا.. اختبار وراثي يكشف سر العائلة وتبديل الأطفال

 اختبار حمض نووي يظهر نتائج صادمة تكشف تبديل الأطفال بعد 16 عامًا

اختبار حمض نووي يظهر نتائج صادمة تكشف تبديل الأطفال بعد 16 عامًا

بعد ستة عشر عامًا من الصمت، كانت نتيجة اختبار وراثي واحدة كفيلة بقلب حياة عائلة كاملة، وكشف سر لم يكن من المفترض أن يُعرف أبدًا.

كان هواء الغرفة الموجودة في السطوح مشبعًا برائحة الخشب العتيق.وقف ياسر ومالك متطابقين في الملامح.مختلفين تمامًا في الطباع.كتفًا إلى كتف.ينقبان بين الصناديق القديمة.

كانا قد وعدا والدتهما بتنظيف تلك الأوضة بعد وفاة جدتهما.مهمة بدت بسيطة.لكنها تأجلت أسابيع طويلة.وكأن المكان نفسه يفرض ثقلًا عاطفيًا لا يُحتمل.

قال ياسر فجأة وهو ينفض الغبار عن صندوق صغير بسيط المظهر.وقد شد انتباهه بعناية وضعه بين الأشياء القديمة

انظر إلى هذا.يبدو مختلفًا عن البقية.

رفع مالك رأسه واقترب.فرأى صندوقًا كتب عليه بخط أنيق رحلة الأنساب.بدا جديدًا تمامًا.مخبأ بعناية أسفل رزمة من دفاتر يوميات جدتهما.

مال مالك برأسه باهتمام وقال بنبرة متسائلة

اختبار حمض نووي.هل ذكرت جدتنا يومًا أنها أرادت إجراء واحد من هذه الاختبارات؟

أجاب ياسر وهو يفتح الصندوق بحذر شديد

لا أذكر ذلك.لكن من الواضح أنها احتفظت به لسبب ما.وربما لم تجد الوقت لاستخدامه.

في الداخل وُجدت زجاجتان محكمتا الإغلاق.وورقة تعليمات مطوية بعناية.وأظرف بريدية مسبقة الدفع.مرتبة بدقة لا تشبه فوضى بقية الصناديق.

ابتسم مالك ابتسامة مازحة محاولًا كسر الجو المشحون وقال

حسنًا.ربما نكمل ما بدأته.قد يكون الأمر ممتعًا.نكتشف إن كان تاريخ عائلتنا يخفي شيئًا غير عادي.

لم يكن التوأم متشابهين في طريقة تعاملهما مع الأمور؛ كان ياسر دقيقًا ومنظمًا.يقرأ التعليمات كلمة كلمة.بينما كان مالك مغامرًا.أمسك بالمسحة القطنية دون تردد.

خلال دقائق معدودة أُنجز الاختبار.ووضعت العينتان بعناية داخل الظرف.وأُغلق بإحكام.دون أن يدركا أن تلك الخطوة البسيطة ستقلب حياتهما رأسًا على عقب.

قال مالك ضاحكًا وهو يلتصق بالكرسي القديم

أتساءل إن كنا ننتمي إلى أصل غريب أو عائلة لم نسمع عنها من قبل.

وأضاف ياسر وهو يبتسم ابتسامة خفيفة

أو ربما إلى سلالة ملكية ضائعة لا يعرف أحد بوجودها.

لم يكن أيٌّ منهما يتخيل أن تلك المسحات الصغيرة ستحمل مفاجأة ثقيلة بهذا الحجم.

بدت الصفحة الأولى عادية ومتوقعة.خليطًا من أصول إفريقية وأوروبية.لكن في أسفل الصفحة ظهر تنبيه غريب بخط واضح.
نتائج مهمة يُرجى استشارة مختص.
توقف ياسر عند العبارة.وعقد حاجبيه قائلًا بقلق
ماذا يعني هذا.لم نكن نتوقع شيئًا غير طبيعي.
أجاب مالك وهو يحدق في الشاشة دون أن يرمش
لا أدري.الأفضل أن نخبر أمي فورًا.
ناديا والدتهما التي كانت في المطبخ.وما إن رأت التنبيه حتى تلاشت ابتسامتها.وحل محلها قلق صامت لم تستطع إخفاءه.
قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا
لا نتسرع في الاستنتاجات.سنأخذ النتائج إلى الدكتور ماهر غدًا ونفهم الأمر بهدوء.
لكن نبرة صوتها لم تخف الحقيقة.هذا لم يكن أمرًا عاديًا.
في تلك الليلة تحوّل شعور الاكتشاف إلى توتر ثقيل.وإحساس غامض بأن بابًا قد فُتح على سر لم يكن ينبغي المساس به.
وفي صباح الغد.بدأ مسار لم يكن في الحسبان.
جلست العائلة في غرفة الانتظار بعيادة الدكتور ماهر.امتزجت رائحة المطهر بالهمهمة الخافتة للمرضى.وكان التوتر يملأ المكان بوضوح.
كان مالك ينقر قدمه بعصبية على الأرض.بينما جلس ياسر بجانبه شاردًا في هاتفه دون أن يرى شيئًا.كأنه يبحث عن مهرب مؤقت من القلق.
أما والدتهما فكانت تجلس قبالتهما.تمسك حقيبتها بإحكام شديد.وعيناها مثبتتان على باب غرفة الفحص كأنها تخشى ما قد يخرج منه.
عندما نادى الممرض أسماءهم.نهضوا معًا ودخلوا مكتب الدكتور ماهر.
استقبلهم الطبيب بابتسامته المعتادة التي طالما منحتهم الطمأنينة.لكن ما إن فتح ملف نتائج الحمض النووي حتى تغير وجهه فجأة.
قال وهو يعدل نظارته
دعوني ألقي نظرة دقيقة.
قلب الأوراق ببطء.ثم توقف.اختفت الابتسامة.وحل محلها تركيز حاد ممزوج بشيء أقرب إلى الصدمة.
مالت الأم للأمام وسألت بصوت مشدود
ما الأمر.هل هناك مشكلة؟
ظل الدكتور صامتًا لثوانٍ.ثم قال بنبرة متحفظة
أحتاج إلى مراجعة هذه النتائج بدقة أكبر قبل أن أستنتج أي شيء.هل تسمحون لي بالخروج للحظة؟
ساد الصمت فور خروجه.وتعالى صوت عقارب الساعة.وكأن كل ثانية تمر تضيف وزنًا جديدًا إلى القلق.
همس ياسر بصوت بالكاد يُسمع
أمي.ماذا يحدث؟
أجابت رغم أن ملامحها فضحت اضطرابها
لا أعلم.يا بني.لننتظر الطبيب.
مرت دقائق بدت كأنها ساعات.
ثم فُتح الباب مجددًا.لكن هذه المرة لم يدخل الدكتور ماهر وحده.بل كان خلفه رجلان يرتديان الزي الرسمي للشرطة.
قال أحدهما بصوت رسمي
ياسر ومالك.نحتاج منكما أن ترافقانا.
قفزت الأم من مقعدها وارتفع صوتها بحدة
ما معنى هذا.إنهما مجرد شابين.
رفع الدكتور يده محاولًا تهدئتها وقال
سيدتي.هناك تطابق وراثي ظهر في النتائج.ويتطلب تحقيقًا قانونيًا.ولا يمكنني شرح التفاصيل هنا.
بدأ الذعر يدور في الغرفة كإعصار.وتبادل الشقيقان نظرة مليئة بالأسئلة والخوف.
قال مالك بصوت مرتجف
ماذا فعلنا؟
أجاب الشرطي بهدوء
الأمر لا يتعلق بما فعلتماه.بل بما تم العثور عليه.
اقتيد الشقيقان خارج العيادة.ولحقت بهما والدتهما تطالب بالتفسير.وفور خروجهم إلى ضوء النهار فوجئوا بوميض الكاميرات.
كان بعض الصحفيين قد تجمعوا بالفعل.يصرخون بالأسئلة.وكأنهم وجدوا قصة غير متوقعة.
وفي لحظة واحدة.تحولت حياة ياسر ومالك العادية إلى محور لغز سيهز عائلتهما من الجذور.
كانت الطريق إلى مركز الشرطة صامتة بشكل مخيف.جلس مالك قرب النافذة يراقب انعكاس وجهه الشاحب.بينما أمسك ياسر بيد أمه بقوة.
لم يتكلم أحد.لكن الأسئلة كانت تتصادم بعنف في الداخل.
كيف يمكن لاختبار بدافع الفضول أن يستدعي الشرطة؟
في مركز الشرطة أُدخلوا غرفة صغيرة.جدرانها عارية.تتوسطها طاولة بسيطة وثلاثة كراسٍ معدنية.
بعد لحظات دخل رجل طويل القامة.ملامحه صارمة.لكن عينيه تحملان قدرًا من التعاطف.
قال وهو يجلس قبالتهم
اسمي المحقق كامل.
ثم أضاف بهدوء
أعلم أن ما تمرون به مربك للغاية.لكن عليكم أن تفهموا أننا نحاول حمايتكم.
قاطعت الأم بحدة
حمايتنا من ماذا.لم تخبرونا بشيء بعد.
فتح المحقق ملفًا بنيًّا.وأخرج ورقة.ودفعها ببطء فوق الطاولة.
كانت نسخة من نتائج فحص الحمض النووي.
وفي أسفل الصفحة.ظهرت عبارة محددة بخط عريض
تطابق وراثي مع تحقيق جنائي غير محلول.
شعر مالك بأن الغرفة تميل من حوله.وكأن الجدران تضيق فجأة.فيما تراجع ياسر خطوة إلى الخلف محاولًا استيعاب الكلمات التي سقطت عليهم كضربة غير متوقعة.
همس ياسر وصوته يرتجف رغم محاولته التماسك
ماذا يعني هذا بالضبط؟
أجاب المحقق كامل بهدوء مدروس.كأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطقها
يعني أن حمضكما النووي تطابق مع أدلة جُمعت من مسرح جريمة تعود إلى ما يقارب ستة عشر عامًا.ولم تُحل حتى اليوم.
تغير لون وجه الأم تمامًا.وشعرت بأن الهواء لم يعد يكفي رئتيها.فسألت بصوت مبحوح بالكاد خرج
أي نوع من الجرائم؟
تردد كامل لحظة قصيرة.ثم قال بصوت منخفض يحمل ثقل الحقيقة
يتعلق الأمر بقضية اختطاف.
تبادل التوأم نظرة ذهول صامتة.وكأن الكلمة علقت بينهما دون أن تجد طريقها للفهم.
قال مالك بسرعة وهو يهز رأسه غير مصدق
لكننا كنا مجرد رضيعين قبل ستة عشر عامًا.كيف يمكن أن نكون جزءًا من شيء كهذا؟
أومأ كامل برأسه ببطء وقال
وهذا بالضبط ما يجعل الأمر غير اعتيادي.العينات التي وُجدت تطابقت معكما.ما يشير إلى أن شخصًا مقربًا جدًا منكما كان متورطًا بشكل مباشر.
بدأت يدا الأم ترتجفان بعنف.وقالت وهي تحاول السيطرة على صوتها
لا.هذا مستحيل.لا بد أن هناك خطأ فادحًا في التحليل.
قال كامل بلطف واضح
هذا ما نحاول التأكد منه.لكننا نحتاج إلى تعاونكم.هل هناك أي شخص في تاريخ عائلتكم قد يكون قادرًا على ارتكاب شيء كهذا؟
صرخت الأم وقد ارتفع صوتها بانفعال
لا.عائلتي ليست كذلك.لم يحدث شيء كهذا أبدًا.
ساد الصمت للحظات.صمت ثقيل بدا وكأنه يضغط على الصدور.
ثم قال مالك بهدوء أربك الجميع
وماذا عن جدتنا؟
تجمدت الكلمات في الهواء.ونظرت الأم إلى ابنها بذهول.بينما مال المحقق كامل إلى الأمام وقال بتركيز
جدتكم.هل تحدثت يومًا عن أي أمر غير عادي.أي أسرار؟
هزت الأم رأسها بعنف.لكن التوأم تبادلا نظرة ذات معنى.كأن فكرة واحدة وُلدت بينهما في اللحظة نفسها.
قال ياسر بتردد
وجدنا دفاتر يوميات قديمة لها في الأوضة اللي فوق السطوح.لم تسمح لنا بقراءتها وهي على قيد الحياة.
أومأ كامل ببطء وقال
تلك اليوميات قد تكون مفتاحًا مهمًا.هل يمكنكم إحضارها؟
ترددت الأم.ثم قالت بصوت متوتر
سنفعل.لكن لا بد أن هذا كله خطأ.
وعندما غادروا المركز.ظل سؤال واحد يخيم عليهم جميعًا.أثقل من أي اتهام أو تفسير.
ما الذي كانت جدتهم تخفيه طوال هذه السنوات؟
عندما عادت العائلة إلى المنزل بدا كل شيء مختلفًا.رغم أن المكان نفسه لم يتغير.الجدران ذاتها.الأثاث ذاته.الصور المعلقة التي توثق طفولة مالك وياسر.
لكن الإحساس بالأمان الذي كان يغلف البيت قد تلاشى.كأن الحقيقة نزعت عنه قناع الطمأنينة دفعة واحدة.
كانت الأوضة التي تعلو السطوح تنتظرهم بصمتها الثقيل.كأنها تعرف أن وقت الأسرار قد حان أخيرًا.
حملت الأم صندوق اليوميات بيديها المرتجفتين ووضعته على طاولة غرفة المعيشة.وجلس مالك وياسر قبالتها.وكل منهما يشعر أنه على وشك مواجهة شيء سيغير حياته للأبد.
قالت الأم بصوت خافت
جدتكم كانت امرأة صارمة.لكنها لم تكن شريرة.لا أفهم كيف يمكن ربطها بشيء كهذا.
لم يجب أي منهما.فتح ياسر الدفتر الأول بحذر.كأن الصفحات قد تنفجر بين يديه.
كان خط الجدة واضحًا وأنيقًا.يحمل صرامة امرأة اعتادت السيطرة على حياتها وخياراتها.
بدأت الصفحات الأولى عادية.وصفات طعام.ملاحظات عن الجيران.شكاوى من آلام الظهر.وتعليقات عن الطقس.
تنفست الأم الصعداء قليلًا.
لكن بعد عدة صفحات تغير كل شيء.
قال مالك وهو يشير إلى سطر معين
توقف هنا.
قرأ ياسر بصوت مسموع
في تلك الليلة لم أستطع النوم.سمعت صوت السيارة تتوقف أمام المنزل.وشعرت أن شيئًا ليس على ما يرام.
ساد الصمت.
تابع ياسر القراءة وصوته بدأ يرتجف
عندما فتحت الباب رأيت ما لم أكن مستعدة لرؤيته.لم يكن شخصًا فقط.كان عبئًا.أمانة.خطيئة لا أعرف كيف أصفها.
قال مالك بحدة
ما الذي تقصده بأمانة؟
قالت الأم بصوت مبحوح
كمّل.
قلب ياسر الصفحات وقرأ
ترك عند الباب شيئًا ملفوفًا.وقال إنه لا يملك خيارًا آخر.قال إنهما في خطر.وإن هذا هو السبيل الوحيد لإنقاذهما.
ارتجفت يد الأم.
قال مالك ببطء
إنها تتحدث عن طفلين.
قال ياسر وقد شحب وجهه
أو عنا.
تابع القراءة
لم أرد التدخل.لم أرد أن أعرف.لكن عندما نظرت إليهما لم أستطع أن أغلق الباب.لم أستطع أن أتركهما.
سقطت دمعة ثقيلة من عين الأم.وارتجف صوتها وهي تتمسك بآخر ما تبقى من يقينها قائلة إن هذا مستحيل.أنتما وُلدتما في المستشفى.أنا حملتكما وعشت كل لحظة انتظار وخوف وألم.
قلب مالك الصفحة التالية.فتغير الخط قليلًا.كأن يد الجدة كانت أثقل وهي تكتب.وكأن الكلمات خرجت منها اعترافًا لا رجعة فيه بعد سنوات من الصمت.
كتبت:
لم تكن ابنتي تعلم شيئًا.ولن أسامح نفسي إن عرفت يومًا.لكنها كانت قد فقدت طفليها في تلك الليلة نفسها.خرجت من غرفة الولادة فارغة الذراعين.مكسورة القلب.لا تقوى على احتمال خسارة أخرى.
توقفت الكلمات قليلًا.ثم عادت أكثر قسوة.
وجدت الطفلين في الليلة ذاتها.ملفوفين ببطانية بيضاء.ولم أفكر طويلًا.لم أبدلهما بدافع الخداع.بل بدافع النجاة.قلت لنفسي إن الألم لا يحتمل مرتين.وإن ابنتي إن عادت إلى بيتها بلا أطفال فلن تعود امرأة كاملة أبدًا.
ارتجفت يد الأم.ومالت إلى الخلف كأن الأرض خانتها.بينما تابع ياسر القراءة بصوت يكاد ينكسر.
سجلتهما باسمها.لم يشك أحد.ثم جاء السطر الذي مزّق الصمت:
لم أخبرها.ولن أخبرها.لأنها إن علمت الحقيقة ستخسر أبناءها مرتين.مرة بالموت.ومرة بالمعرفة.وأنا اخترت أن أكون أنا المذنبة الوحيدة.
ساد الصمت في الغرفة.صمت أثقل من أي صراخ.ثم قالت الأم بصوت خرج من أعماقها لا من عقلها.
حتى لو لم ألدكما.وحتى لو كانت الحقيقة أقسى مما أحتمل.لا أعرف أمًا لكما غيري.ولا أعرف نفسي إلا وأنا أختاركما كل يوم من جديد.
رد عليها التوأمان ونحن أيضا يا أمي ثم قرأ ياسر مكملا:
هو عاد بعد سنوات.سأل عنهما.قلت إنني لا أعرف.كذبت.وأنا لا أجيد الكذب.لكن الخوف علمني.
قال مالك
من هو؟
جاء الجواب في صفحة لاحقة.دون اسم.لكن بوصف واضح.
رجل لا يعرف الرحمة.قال إنه سيعود.وإنني إن فتحت فمي فلن أرى الصباح التالي.
ساد صمت ثقيل.
قالت الأم بصوت خافت
كنت أظنها فقط امرأة متسلطة.لم أكن أعلم أنها كانت خائفة إلى هذا الحد.
توقف ياسر فجأة وقال
هناك شيء هنا.مظروف.
كان هناك ظرف قديم مثبت في نهاية الدفتر.
فتحته مالك بيد مرتجفة.
في الداخل ورقتان رسميتان.
شهادتا ميلاد.
قال مالك بصوت مخنوق
انظر.
كانت خانة اسم الأم فارغة.أما خانة الأب فحملت اسمًا غريبًا لا يعرفه أيٌّ منهما.
قال ياسر
هذا ليس اسم والدنا.
شعرت الأم بأن الأرض انسحبت من تحت قدميها وقالت
إذن ماذا يعني هذا؟
قال مالك والدموع تنساب دون مقاومة
يعني أن جدتنا لم تكن فقط تخفي سرًا.كانت تحمينا.
في تلك اللحظة أدركوا أن الحقيقة أكبر من مجرد اختبار حمض نووي.إنها قصة إنقاذ.وقصة كذب بدافع الخوف.وقصة أم لم تكن أم بيولوجية.
لكن سؤالًا واحدًا ظل معلقًا في الهواء.أثقل من كل ما سبق.
من هو الرجل الذي تركهما عند الباب؟
ومما كان يحاول إنقاذهما؟
لم ينم أحد تلك الليلة.البيت كان ساكنًا.لكن العقول تضج بأسئلة لا تهدأ.وكل صورة على الجدار بدت وكأنها تحكي نصف الحقيقة فقط.
في الصباح الباكر جلس مالك وياسر إلى طاولة المطبخ.وكل واحد يمسك فنجان قهوة لم يشرب منه شيئًا.بينما وقفت الأم قرب النافذة تنظر دون أن ترى.
قال مالك أخيرًا
لا يمكننا التوقف هنا.الشرطة ستسأل.ويجب أن نعرف كل شيء قبل أن يخبرنا الآخرون بما نحن عليه.
أومأت الأم ببطء
سنعود إلى مركز الشرطة ومعنا كل شيء.
بعد ساعة جلسوا مجددًا في غرفة التحقيق ذاتها.ودخل المحقق كامل حاملًا ملفًا أكثر سمكًا من المرة السابقة.بدا متعبًا.لكن ملامحه كانت جادة على نحو غير مسبوق.
قال وهو يجلس
قرأت اليوميات كاملة.وما فيها يغير مجرى التحقيق.
قال مالك بصوت منخفض وهو ينظر إلى الأوراق المنتشرة أمامهم محاولًا استيعاب ما يراه للمرة الأولى.من هو الرجل المذكور في الشهادات القديمة التي بدت وكأنها خرجت من زمن منسي.
فتح المحقق كامل الملف ببطء وأخرج صورة قديمة لرجل في أواخر الثلاثينيات.بنظرة حادة وملامح جامدة.وندبة خفيفة قرب العين اليسرى توحي بحياة مليئة بالعنف.
قال كامل بنبرة مهنية هادئة إن اسمه هاشم طهاوي.وكان المشتبه به الرئيسي في قضية اختطاف رضع تعود إلى ستة عشر عامًا.ولم تُحل القضية وقتها بسبب نقص الأدلة.
شعر ياسر بقشعريرة تسري في جسده وهو يتبادل نظرة سريعة مع أخيه قبل أن يسأل بتردد واضح.هل يعني هذا أنه والدنا البيولوجي بالفعل.
تنفس كامل بعمق وكأنه يهيئ نفسه للحقيقة.ثم قال إن شهادات الميلاد ونتائج الحمض النووي تؤكدان ذلك دون مجال للشك.
وضعت الأم يدها على صدرها محاولة تثبيت قلبها الذي كاد يخرج من مكانه.بينما ارتسم الذهول على ملامحها التي شاخت فجأة.
قال مالك بصوت متكسر يحمل غضبًا وحيرة.لكن إذا كان مجرمًا فلماذا تركنا عند جدتنا ولم يأخذنا معه.
هز كامل رأسه موضحًا أن هذا هو الجزء الأكثر تعقيدًا.فهاشم لم يكن يعمل وحده.بل كان جزءًا من شبكة.وفي إحدى الليالي حدث خلاف داخلي.
تابع أن شهادات لاحقة أشارت إلى أنه حاول الهرب ومعه طفلان.هما أنتما.قبل أن يختفي عن الأنظار.
قال ياسر بحدة واضحة وقد اشتعل الغضب في صوته.هل هرب بنا أم أنقذنا من مصير أسوأ.
صمت كامل لحظة ثم قال إنه لا يملك جوابًا قاطعًا.لكن المؤكد أنه تركهما عند امرأة لم تكن على صلة مباشرة بالشبكة.امرأة قوية صامتة.ومعروفة بعدم تعاونها مع أحد.جدتكما.
قالت الأم بصوت مختنق وقد اغرورقت عيناها.إذن هي خاطرت بكل شيء من أجلنا.
أومأ المحقق مؤكدًا أن إخفاءهما.وتسجيلهما كمولودين داخل العائلة.وتحملها التهديدات.كلها أفعال أنقذتهما من مصير مجهول.
سأل مالك وهو يشد على يد أخيه.وماذا الآن.هل نحن متهمان في هذه القضية.
ابتسم كامل ابتسامة خفيفة لكنها حزينة.وقال إنهما ضحيتان لا متهمان.فوجود حمضهما النووي في مسرح الجريمة كشف الحقيقة ولم يدنهما.
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية أن هناك أمرًا آخر يجب أن يعرفاه قبل المغادرة.
توقف لحظة ثم قال إنهم قبل أسبوعين تلقوا إشارة جديدة لشخص يستخدم هوية مزيفة.وحاول الوصول إلى سجلات قديمة تتعلق بهما.
تجمدت الأم في مكانها وسألت بصوت خافت.هل تقصد أنه قد يكون ما زال حيًا.
أجاب كامل ببطء نعم.ويعتقدون أنه علم بأمر اختبار الحمض النووي مؤخرًا.
ساد صمت ثقيل في الغرفة.قبل أن يقول ياسر بصوت ثابت رغم ارتجاف عينيه.إذن القصة لم تنته بعد.
هز المحقق رأسه مؤكدًا أن القصة لم تنته.لكن هذه المرة لن يكونا وحدهما.فكل تحركاته مراقبة.
عند خروجهم من المركز شعر مالك بشيء لم يشعر به من قبل.لم يكن خوفًا فقط.بل وعيًا جديدًا بذاته وبحياته التي تغيرت فجأة.
قال لأمه بصدق عميق إنك أمنا.ولا اختبار ولا وثيقة ولا رجل من الماضي يمكنه تغيير هذه الحقيقة.
احتضنتهما الأم بقوة وكأنها تخشى أن يُنتزعا منها.وفي تلك اللحظة أدرك التوأم أن الهوية لا تُكتب في المختبر فقط.
بل تُبنى بالأفعال.وبالتضحيات.وبالأشخاص الذين يختارون البقاء حين يكون الرحيل أسهل.
لكن في مكان ما بعيدًا عن أعينهم.كان الماضي يتحرك من جديد.وكان هناك من يراقب بصمت.
لم تكن العودة إلى البيت مريحة كما توقعوا.فرغم ضوء النهار شعرا أن شيئًا ما تغير في إحساسهما بالأمان.
في المساء جلس مالك وياسر على السرير الذي تقاسماه منذ الطفولة.متشابهين في الملامح كعادتهما.لكن أعينهما تحمل عمقًا وثقلًا جديدين.
قال مالك وهو يحدق في السقف.هل تشعر أن حياتنا لم تعد ملكنا بالكامل كما كانت.
أجابه ياسر دون أن ينظر إليه.نعم.وكأن هناك من يشاركنا كل تفصيلة دون إذن.
وفي تلك الليلة.حين طرق الماضي بابهم.أدركوا أن بعض الأبواب تُغلق لا خوفًا.بل وعيًا.
النهاية
تعليقات