قصة أوعى تثق في علاقة من النت

قصة أوعى تثق في علاقة من النت

أوعى تثق في علاقة من النت بقلم سلمى محمد


أنا عمار، عندي 29 سنة.

عمري ما كنت متخيل إن مكالمة بسيطة على النت ممكن تغير حياتي كلها بالشكل ده.

أنا شخص عادي، روتيني في كل حاجة، عايش مع أمي بعد وفاة أبويا، وحياتي ماشية في خط مستقيم، لا فيها حب ولا مغامرات. لحد ما قابلتها.

هي بنت لطيفة جدا، أتعرفنا على بعض عن طريق جروب على الفيسبوك، وكلامها معايا كله أدب واحترام.

وشوية شوية بقينا بنكلم بعض كل يوم، صوتها بقى جزء من يومي، وبقيت حاسس إني مش لوحدي.

وعلطول بتقولي إنها عمرها ما حست بالحب وأن أهلها دايما قاسين عليها، وإنها محتاجة حد يحتويها ودعيت كتير إنها  تلاقي الشخص اللي يخاف عليها ويصونها ويحبها بجد. وأنا الغبي اللي صدق كلامها.

اتقابلنا كذا مرة، وفي كل مرة بكون مبسوط بخروجنا سوا، لحد ما قالتلي في يوم إنها "مريضة بمرض نادر في الجلد"، مرض بيخليها تهرش جامد ولا كأن عندها جرب، ومرضها أسمه اسمه متلازمة مورغيلون.

وقالتلي إن الناس بقت تخاف تقرب منها.. ومهما قالت إن مرضها مش معدي بردوا محدش بيصدقها، وإنها مش قادرة تروح لدكتور تاني علشان أمكانياتها المادية لا تسمح.

اتأثرت بكلامها وصعبت عليا، وكنت شايف فيها طيبة غريبة كده، مش شبه البنات بتاعت اليومين دول.

وحسيت إن الحياة ظلمها، وقلت لنفسي: يمكن دي فرصتي أساعدها وأحس أن ليا فايدة في حياة حد. بس كل ده كان وهم.

في يوم جتلي البيت، وقعدنا نحكي ونتكلم، وكل حاجة كانت ماشية كويس.

بس لما روحت المطبخ أعمل ليها عصير ولما رجعت من المطبخ لقيتها واقعة على الأرض، ومبتتحركش

انصدمت من المنظر قصادي وبسرعة جريت أجيب ابن عمي الدكتور اللي ساكن في الشقة اللي فوق عشان يساعدني، بس لما رجعنا اختفت، وملقتش أي أثر ليها…

وبعد كام ساعة أكتشفت إني اتسرقت.. دهب أمي، تليفوناتي، واللاب توب وتقريبا كل الاجهزة.

روحت على عنوانها اللي كانت مديهولي، بس أول ما وصلت، لقيت شوية بلطجية واقفين، وكلهم بيبصوا عليا بنظرات مش مريحة، وقالولي:

امشي من هنا يا أستاذ… مش عايزين مشاكل.

رجعت بيتي مقهور وحزين، ووقفت قدام أمي مش عارف أبرر ولا أتكلم.

 فضلت ساكت وهي بتعيط وبتزعق فيا:

 أنا معرفتش أربي راجل؟ يا ميلت بختي في ابني.

الكلمة دي كانت آخر حاجة قالتها قبل ما تقع قدامي، ويجليها جلطة.

بعد ما أمي دخلت المستشفى، البيت بقى كئيب جدًا وأي صوت صغير بيخليني أتشنج، حتى صوت الساعة بقى يضايقني.

كنت بحاول أهرب من التفكير في أني السبب في مرض أمي ودخلوها المستشفى، بقين أقعد على الموبايل كتير بحاول أنسى اللي حصل.

وفي ليلة من الليالي، كنت راجع من المستشفى بعد ما طمنت على أمي، لقيت باب الشقة موارب.

استغربت جدًا، خصوصًا إني متأكد إني كنت قافله.

دخلت وأنا قلبي بيدق جامد، وكل خطوة بتحركها جوا الشقة كانت دقات قلبي بتزيد.

نور الصالة كان مطفي، بس في ضوء خافت طالع من الأوضة اللي قعدت فيها لما زراتني.

من بعيد، لمحت اللاب توب بتاعي، اللاب اللي اختفى بعد ما هي اختفت... الضوء كان جاي منه.

قربت ببطء، ولما وصلت عند الباب شوفت اللاب شغال على الفيديو اللي كنا متصورين فيه مع بعض أول مرة جاتلي البيت.

بس الغريب إن اللقطة كانت مكملة كأن في حد كمل تصوير بعد ما قفلنا الموبايل وسمعتها بتقول:

"وحشتك يا عمار؟ أنا رجعت ليك تاني.."

ومرة واحدة شاشة اللاب بقيت سوده، والنور قطع في الشقة كلها.

فضلت واقف مش قادر أتحرك، لحد ما سمعت صوت همسة من ورايا، صوت أنثوي، هادي جدًا، بيقول: أنا رجعت تاني والمرة دي مش هسيبك يا حبيبي؟

اتلفت بسرعة وبصيت ورايا، مفيش حد، قولت لنفسي أكيد أنا بتخيل بسبب الضغط النفسي اللي عايش فيه.

رميت نفسي على السرير، مش عارف أعمل إيه، بس وأنا مغمض عيني، سمعت تكة خفيفة من ناحية الباب، ولما فتحت…

 كان فيه بصمة إيد على المراية، بصمة سودة.

تاني يوم الصبح، كنت شبه ميت من قلة النوم. عقلي مش مصدق ولا مستوعب اللي حصل امبارح.

بصيت على المرايا لقيت بصمة الإيد اللي كانت عليها أمبارح، اختفت. ولا كأنها كانت موجودة. حاولت أقنع نفسي إنها هلوسة، بس قلبي كان عارف… لأ، في حاجة مش طبيعية.

روحت المستشفى أشوف أمي، وقبل ما أدخل أوضتها، ممرضة وقفتني وقالت:

أنت عمار؟ في واحدة كانت هنا من شوية، بتسأل عليك، قالت إنها خطيبتك.

اتجمدت. وقلت: خطيبتي؟! أنا معنديش خطيبة. 

وطلبت منها توصفلي شكلها.

وصفتلي شكلها بالظبط، نفس الملامح. نفس الشعر.

سألتها: وهي راحت فين؟

الممرضة قالت إنها اختفت فجأة ومتعرفش راحت فين.

رجعت البيت وأنا تايه، ولما دخلت، لقيت ورقة متنية على الترابيزة، الخط اللي مكتوب بيه هو خطها، مكتوب فيها:

"ساعدني أرجع حقي يا عمار… هما دفنوني فـ المطرية."

إيدي بترتعش وأنا ماسك الورقة، مش قادر استوعب إن ده حقيقي.

 بس من جوايا كنت حاسس إنها بتكلمني فعلاً، وإني مش بتخيل.

وفجأة افتكرت جملة قالتها ليا:

أنا دايمًا بخاف من الضلمة.

ومن وقتها، كل مرة النور بيقطع، بسمع نفس الجملة بتتكرر ورا وداني بنفس الصوت.

بدأت أفتش في كل حاجة تخصها، صور، شاتات، أرقام…

 لحد ما وصلت لاسم واحد كانت بتكرره كتير:

 عمر.

واحد من قريبها، كانت بتقولي زمان إنه علطول بيتحرش بيها.

في نفس الليلة، وأنا قاعد قدام اللاب، ظهر فولدر جديد اسمه "الاعتراف الأخير"، جواه فيديو وهي هي قاعدة بتعيط، وعينيها كلها خوف و بتقول:

"لو الفيديو ده اتفتح، يبقى أنا خلاص… مت. عمار، لو بتحبني بجد، دور على الحقيقة. عمر هو اللي بدأ… بس مش هو اللي خلص."

الصوت قَطع، والنور طفى فجأة، ولما النور رجع، ظهر رسالة جديدة على اللابتوب، مكتوب عليها جملة جديدة:

"المرة الجاية، هتشوفني مش بس هتسمعني."

فضلت صاحي طول الليل، كل ما أحاول أنام، صوتها بيرن في وداني وهي بتقول: "ساعدني يا عمار."

الصبح، من غير ما أفكر، ركبت عربيتي واتجهت على المطرية.

 مكان عمري ما رحت ليه، بس العنوان اللي مكتوب في الورقة كان واضح جدا.

الطريق كان زحمة، بس الغريب.. كل ما أقرب من العنوان، الموبايل يفصل، الشبكة تختفي، وحتى الجو بقى غريب كده.

وصلت قدام بيت قديم، شبابيكه متكسرة، والباب نصه مخلوع.

 سألت واحدة ست قاعدة قدام البيت اللي جنبه:

يا حاجة، البيت ده بتاع مين؟

 بصتلي بنظرة خوف، وقالت وهي بتشيح بوشها:

 محدش ساكن هنا يا ابني… ده بيت الميتة.

الكلمة دي خلت قلبي يقف: بيت الميتة؟

قالتلي:

من فترة لقوا جثة بنت جوا البيت ده، متعفنة، ومحدش عرف هي مين ولا جاية منين… بس الناس كلها بتقول إن صوتها لسه بيطلع بالليل.

دخلت وأنا قلبي بيخبط في صدري. البيت ريحته رطوبة وموت.

 بس اللي شدني كان غرفة في آخر الطرقة، بابها مقفول بس فيه نور خفيف بيطلع من تحت، دفعت الباب برجلي، ودخلت.

الأوضة فاضية.. إلا من لاب توب محطوط على الأرض، شغال لوحده.

الشاشة منورة وعليها نفس الفيديو اللي شفته قبل كده، بس المرة دي الفيديو بيكمل. كانت قاعدة في نفس المكان اللي أنا واقف فيه،

 بتبص على الكاميرا وبتقول:

"هم دفنوني هنا… تحت."

وفجأة الكاميرا وقعت على الأرض، وبان في الخلفية ظل راجل بيقرب منها، وصوتها بيتحول لصرخة مخنوقة.

اللاب قفل لوحده، وبعدها الأرض تحت رجلي تهزت كأن في حاجة بتتحرك. مسكت اللاب ورجعت لورا بسرعة، بس قبل ما أخرج من الأوضة سمعت صوتها واضح جدًا، مش من اللاب، مش من خيالي.. من ورايا بالظبط.

"ساعدني يا عمار."

رجعت من البيت وأنا مش عارف هي عايشة ولا فعلا ميته.

لكن كل حاجة شفتها هناك كانت بتأكد لي انها ماتت.. حاولت اعرف الحقيقة.

شغلت الفيديو تاني واتفرجت عليه المرة دي بتركيز، وشوفت ظل وراها، كان ظل ست، مش راجل.

فضلت أعيد اللقطة عشرات المرات، وفي كل مرة الصورة تبان أوضح، شعر طويل.. وإيد فيها خاتم دهب كبير.

فضلت أدور في صورها القديمة، لحد ما لقيت صورة واحدة جمعتهم… هي، وأبوها، ومراته الجديدة، ولما ركزت كويس، الخاتم هو هو.

اتصلت بصاحبتها القديمة اللي كانت عارفاها عن طريقها قبل ما تختفي و بعد كلام كتير، وبصوت مرتبك قالتلي:

هي كانت بتخاف من مرات أبوها.. كانت بتقول إنها بتتحكم فيها زي اللعبة. وكانت دايمًا تقوللي إنها بتخليها تسرق الناس اللي تتعرف عليهم.

ساعتها الدم في جسمي برد. يعني لما سرقتنى كانت تحت الإجبار ومش بإرادتها.

رجعت البيت وأنا عقلي هينفجر، قررت أروح أبلغ الشرطة بكل اللي عرفته.

وفي القسم، الظابط قاللي:

البيت اللي اتكلمت عنه فعلاً فيه قضية لجثة بنت مدفونة جواه، لكننا معرفناش مين صاحبة الجثة، والقضية اتأيدت ضد مجهول.

اتحركنا سوا على هناك.

ولما دخلنا البيت، لقينا ست قاعدة في الصالة، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.

الظابط سألها بهدوء: أنتي سعاد؟

قالت: أيوه؟

رديت أنا بعصبية:

إنتي اللي قتلتي بنت جوزك؟

ضحكت ضحكة باردة وقالت: هي اللي خلتني أعمل كده، كانت عايزه تبطل سرقة. وبعدين بصت حواليها وبعدين كملت بضحكة مجنونة أنا أعترفت على نفسي عشان أعرف أخلص منك.

الظابط قبض عليها، بس قبل ما ياخدوها، بصتلي نظرة طويلة ومرعبة.

وأنا راجع في الطريق، الجو كان ساكت خالص.. بس الريحة بتاعتها رجعت تاني. ولما دخلت البيت، سمعت همسها وهي بتقول: شكراً يا عمار.. أنا هعرف أنام دلوقتي.

بعد ما اتقبض على مرات أبوها، الدنيا بدأت تهدى شوية. الظابط قال إنهم لقوا كل الحاجات اللي كانت مسروقة، وحتى الدهب بتاع أمي رجع.

أمي صحت من الجلطة الحمد لله، بس أنا.. أنا مبقتش زي الأول.

من يوم القبض عليها، بقيت حاسس إني مش لوحدي.

مش خوف… لأ، إحساس غريب كده، كأن في طيف حواليّ، بيحميني مش بيؤذيني.

كل مرة الدنيا تضلم، النور يومض لحظة كده، وساعتها الريحة اللي كانت بتخوفني قبل كده بقت تطمني.

ريحتها.

بقيت أسمع همسها كل شوية، "أنا هنا يا عمار."

كنت فاكر إنها خلاص هتختفي بعد ما ارتاحت، بس واضح إنها اختارت تفضل معايا.

في البداية كنت بترعب، بس بعد فترة… اتعودت.

يمكن علشان حسيت إنها مش مؤذية، وأنها بتساعدني وبتنقذني من أي أذى ممكن يحصل ليا.

مرة كنت نايم، وصحيت على صوت حاجة بتتكسر في المطبخ،

 قمت جري، لقيت الغاز مفتوح على الآخر، ولو كنت اتأخرت دقيقة، كنت ممكن أموت.

ومن يومها، بقيت متأكد إنها مش هتسيبني.

هي مش عايزة تأذيني.. هي بتحميني.

خلاص اتعودت عليها، اتعودت كل يوم الصبح، لما أصحى،

بلاقي الكوباية اللي بحبها محطوطة جنبي على الترابيزة،

وفيها قهوة لسه سخنة. 

أوعى تثق في علاقة من النت بقلم سلمى محمد

تعليقات