حين تزوجت ابنة الباشا من العبد.. قصة إيلانة عبد الرحمن ويوسف الحداد
لم يكن زواج إيلانة عبد الرحمن من يوسف الحداد عن قصة حب عادية
وصفوني بأنني غير صالحة للزواج وبعد اثني عشر رفضًا متتاليًا. امتدت على أربع سنوات ثقيلة. بدأت أُقنع نفسي أن العيب فيّ فعلًا. اسمي إيلانة عبد الرحمن. عمري اثنان وعشرون عامًا وسمعتي تسبقني في المجالس قبل أن أدخلها.
أصبحت ساقاي عاجزتين منذ أن كنت في الثامنة. إثر حادث سقوط أثناء ركوب الخيل كسر عمودي الفقري وانتزع مني القدرة على المشي. منذ ذلك اليوم. صرت أعتمد على كرسي متحرك أمر والدي بصنعه خصيصًا لدى أمهر نجاري القاهرة.
لكن الكرسي المتحرك لم يكن مجرد وسيلة حركة. بل كان العلامة التي حُكم عليّ بسببها. في مجتمعنا العربي. لم يروا فتاة مصابة. بل رأوا نقصًا واضحًا. عبئًا ثقيلًا وجسدًا لا يصلح للدور الذي رُسم للنساء.
فالمرأة. في نظرهم. يجب أن ترافق زوجها في المجالس وتُجيد الوقوف إلى جواره وتنجب أبناءً بلا متاعب وتحفظ استقرار البيت. وأنا. في نظرهم. لم أكن قادرة حتى على الوقوف. فكيف أُؤتمن على بيت أو نسل؟
اثنا عشر رجلًا. اثنا عشر عرض زواج واثنا عشر رفضًا دبّرها أبي بيديه. ومع كل رفض. كانت القسوة تزداد وتنتشر سمعتي كـ ابنة عبد الرحمن العاجزة بين بيوت الأعيان والتجار وكبار الموظفين.
لكن هذه الحكاية ليست عن إعاقتي ولا عن عجزي. بل عن حلٍ يائس لجأ إليه أبي حين ضاق به الخوف. حلٌّ تمثّل في أن يسلّمني لرجل مستعبد. كانوا ينادونه الوحش. دون أن يعلم أنه يمنحني الحياة.
دعوني أعود بكم إلى ربيع الأول سنة 1252هـ. إلى اللحظة التي وقف فيها أبي أمام نافذة مكتبه طويلًا. قبل أن يتخذ قرارًا غيّر مصير ثلاث أرواح إلى الأبد. قرارًا لم يكن فيه رحمة. لكنه كان مشبعًا بالخوف.
يقع قصر آل عبد الرحمن على أطراف الجيزة. حيث تمتد الأراضي الزراعية حتى يضيع البصر وتتعانق حقول القطن مع النخيل وتلوح القلعة من بعيد. كأنها شاهد صامت على ما يحدث داخل تلك الجدران.
ألفا فدان من أجود الأراضي. أكثر من مئتي عبد وخادم وقصر شيده جدي قبل عقود. طابقان من الحجر. أعمدة شاهقة. ثريات مستوردة وغرف كثيرة. تكفيني أيامًا كاملة دون أن أرى أبي.
وُلدت في هذا القصر عام 1219هـ. الابنة الوحيدة لـ عبد الرحمن باشا وزوجته زينب. ماتت أمي بعد ثلاثة أيام من ولادتي بحمى النفاس وتركت أبي مع طفلة رضيعة ورجلٍ قرر ألا يفتح قلبه لامرأة مرة أخرى.
نشأت بين حنانٍ محسوب و انضباط صارم. لم يكن أبي قاسيًا. لكنه لم يكن قريبًا. حرص على تعليمي أكثر مما حرص على عاطفتي. فتلقيت علومًا لم تنلها معظم فتيات جيلي وكنت فخره الصامت.
تعلمت العربية والفرنسية. درست الحساب وقرأت في التاريخ والسياسة والفلسفة. كان أبي يخطط أن يكون عقلي وثقافتي جسرًا إلى زواج مرموق. يعوض ما ينقصني من أنوثة في نظر المجتمع.
ثم جاء حادث ركوب الخيل وقلب كل شيء. كنت في الثامنة. أمتطي حصانًا أكبر من قدرتي. بعد توسلات طويلة لأبي وافق عليها. فزع الحصان فجأة. انتفض وسقطت وارتطم ظهري بجذع شجرة.
سمعت صوت طقطقة حاد. لم يكن الخشب. بل عمودي الفقري. جاء الأطباء من القاهرة والإسكندرية. فحصوا. تشاوروا. ثم نطقوا بالحكم القاسي: الضرر دائم والعودة كما كنت مستحيلة.
قالوا إنني قد أستعيد بعض الإحساس وربما حركة محدودة. لكنني لن أمشي طبيعيًا أبدًا ولن أركض ولن أرقص. سأحتاج إلى كرسي متحرك ما حييت وكأنهم يعلنون نهايتي لا تشخيصي.
أمر أبي بصنع أفضل كرسي متاح. بإطار من خشب الجوز ومقعد جلدي وعجلات ناعمة تنساب فوق أرضيات القصر. جلب لي معلمين وعدّل المداخل وبنى منحدرات بدل السلالم.
لكن مهما عدّل في الحجر والخشب. لم يستطع تعديل نظرة المجتمع. في الرابعة عشرة. بينما كانت الفتيات في سني يُخطبن في الليالي المقمرة. كنت أجلس بين كتبي. أتعلم ما لا ينفعني في الزواج.
وفي السادسة عشرة. بينما ارتبطت زميلاتي. كنت أراقب الحياة من خلف النافذة. كأنها تمر في شارع لا يسمح لي بالعبور. وعندما بلغت الثامنة عشرة. بدأ أبي حملته الأخيرة للعثور على زوج لي.
كان في الحادية والخمسين. قوي الجسد. لكنه كان ينهشه سؤال واحد لا يفارقه:
ماذا سيحدث لابنته… بعد موته؟
قال لي أبي بصوتٍ حاول أن يجعله هادئًا رغم القلق الواضح فيه إنني بحاجة إلى الحماية. إلى رجلٍ يعتني بي. يدير شؤون المال ويضمن سلامتي بعد رحيله. لأن الحياة لا ترحم امرأة وحيدة مهما كانت قوتها أو عقلها.
أجبته وأنا أرفع رأسي بعنادٍ تعلّمته منه: أستطيع إدارة المال يا أبي. لقد علمتني التجارة والزراعة بنفسك وكنتَ تقول دائمًا إنني أفهم الحسابات وأُحسن التدبير أكثر من كثير من الرجال الذين يملكون أقدامًا سليمة.
قال بنبرة ناعمة لكنها قاطعة وهو يشير إلى الكرسي المتحرك دون أن ينظر إليه مباشرة: أنتِ تعلمين أن المجتمع لا يعمل بهذه الطريقة. خصوصًا مع امرأة غير متزوجة. فالناس لا يرون العقل أولًا. بل يرون الجسد وما ينقصه.
ثم قالها صريحة بلا مواربة: أنتِ بحاجة إلى زوج. رجل يقف أمام الناس بدلاً منك ويتحمّل عنكِ ما لا يسمحون لكِ بتحمّله. سواء كنتِ قادرة عليه أم لا. فالقواعد لا تُكتب للعدل بل للسيطرة.
جاء أول عرض زواج من سالم رشدي. في الخامسة والثلاثين. يعمل في تجارة التبغ. معروف بالاتزان وحسن السيرة. فدعاه أبي إلى العشاء وقدّمني إليه ورأيت عينيه تنتقلان من وجهي إلى الكرسي ثم تهربان إلى الأرض.
قال أبي بفخرٍ حاول أن يُنقذ الموقف: ابنتي متعلّمة. تجيد القراءة والكتابة وتُدير حسابات البيت بدقة وتفهم في شؤون التجارة والزراعة. لكنها لم تكن كلمات يسمعها من يبحث بعينيه لا بعقله.
استأذن سالم في الحديث مع أبي على انفراد وتركني وحدي في الغرفة وكنت أعرف تمامًا ما يدور خلف الجدار وسمعت الأصوات المنخفضة وتخيلت الجملة قبل أن تُقال. كما تخيلتها مع كل رجل سيأتي بعده.
عاد أبي وحده. لم يحتج إلى تفسير. فقد رفض سالم وقال إن الوضع غير مناسب. لأنني لا أستطيع المشي. فقلت بهدوء موجوع يمكنك قول الحقيقة يا أبي. لأنني مقعدة. لأنني مشوّهة. لأنهم يرونني عديمة الفائدة.
أمسك أبي بيدي سريعًا وقال إنني لست عديمة الفائدة. لكن عينيه في ذلك اليوم قالتا شيئًا آخر. قالتا إن العالم لا يصدقه وإن كلماته لا تغيّر نظرة الناس مهما كانت صادقة.
بعد ثلاثة أشهر جاء العرض الثاني. مروان الخولي. أربعون عامًا. أرمل وله ثلاثة أطفال وطال الحديث في مكتب أبي هذه المرة وارتفعت الأصوات وسمعته يدافع ويجادل. لكن النتيجة كانت واحدة لا تتغير.
خرج مروان. نظر إليّ نظرة شفقة ثقيلة وقال دون قسوة متعمّدة إنني شابة جذابة. لكن أطفاله يحتاجون أمًا قادرة على ضبطهم جسديًا. امرأة تستطيع الوقوف والصراخ والركض. لا الجلوس والمراقبة.
تتابعت بعد ذلك العروض الثالثة والرابعة والخامسة وكان لكل رفض قسوته الخاصة. مرة لأنني لا أقف في المناسبات ومرة لأن الزفاف سيكون محرجًا ومرة لأنهم لا يعرفون كيف سأسير في الممر.
ثم جاءت الهمسة الأخطر. الهمسة التي لا تُقال بصوتٍ عالٍ: سمعتُ أنها لا تنجب وكانت تلك الشائعة كافية لتُسقط ما تبقّى من فرصي. لأن المرأة في نظرهم رحم قبل أن تكون إنسانًا.
بعد فحصي. تكهّن طبيب بأن إصابتي في العمود الفقري قد تؤثر على الإنجاب وانتشرت الكلمة كالنار. رغم أن أطباء آخرين أكدوا سلامتي. لكن السمعة لا تُصحح. بل تتغذّى على الخوف.
وفجأة لم أعد مقعدة فقط. بل عاقرًا أيضًا وبحلول عام 1836 أصبحت محاولات أبي يائسة. تواصل مع رجال من مناطق بعيدة. خفّض الشروط ورفع المهور. لكن الإجابة كانت دائمًا لا.
جاء آخرهم رجل خمسيني سيئ السمعة. راجع الحسابات. ثم قابلني وسألني عن الخياطة والطبخ وأعمال المنزل وحين أجبته بصدق. التفت إلى أبي وقال إنني جميلة. لكنني لا أصلح زوجة.
بعد رحيله وجدت أبي في مكتبه. يحدق في الجدار وكأس الشراب في يده. فقال بصوت مكسور إنه قدّم اثني عشر عرض زواج خلال أربع سنوات وجميعهم رفضوا والرسالة واحدة لا تتغير.
قال إن عمره خمسة وخمسون عامًا وقد يموت غدًا أو بعد عشرين عامًا. لكن النهاية واحدة وعندما يموت ستنتقل الأملاك إلى الأقارب وساعتها لن يسمح لي أحد بالبقاء. بل سيمنّون عليّ بالفتات.
سألته وأنا أبكي أن يترك لي الميراث. فهزّ رأسه وقال إن القانون لا يسمح وإن المرأة غير المتزوجة لا تملك حق الإدارة. ثم أشار إلى الكرسي المتحرك. عاجزًا عن إكمال الجملة.
سألته أخيرًا ماذا يقترح. فصمت طويلًا ثم قال إنه أمضى أربع سنوات يحاول بالطرق التي ترضي المجتمع. دون جدوى وإنه يفكّر الآن في حلٍ آخر. خارج كل ما هو مألوف.
قال إنه راقب يوسف لسنوات. لم يكن عنيفًا. لم يكن قاسيًا. بل ذكيًا. قويًا. كفؤًا. رجلًا قادرًا على الحماية والعناية ويمتلك كل ما أحتاجه في حامٍ. حتى لو كان المجتمع سيُدين الفكرة.
لا أعرف. لكن عليّ أن أفكر في شيءٍ ما. لأنني لن أترككِ دون حماية. قالها أبي وبعد أربعة أسابيع من الصمت الثقيل والترقّب. استدعاني إلى مكتبه وأخبرني بالحل الذي توصّل إليه أخيرًا.
كان حلًا جذريًا. صادمًا وخارجًا تمامًا عن الأعراف الاجتماعية. إلى درجة جعلتني أظن أنني لم أسمعه جيدًا. قبل أن يكرره بهدوءٍ قاسٍ: سأعطيكِ يوسف وسيكون زوجكِ.
نظرتُ إليه طويلًا. أبحث في وجهه عن تردّد أو تراجع وقلت ببطء: يوسف؟ الحداد؟ العبد المستعبد؟. فأجاب دون أن يتوقف عن الذهاب والإياب في الغرفة: نعم. أنا جاد.
قالها بوضوح لا يحتمل التأويل: إيلانة. سيتزوجكِ رجلٌ أبيض. هذه هي الحقيقة التي نعيشها. لكنكِ قبل كل شيء بحاجة إلى الحماية. لا إلى عدلٍ اجتماعي لن يأتي.
أنتِ بحاجة إلى شخص قوي بما يكفي ليحملكِ وقادر على أداء الأعمال الجسدية التي لا تستطيعينها ومخلص بالقدر الذي يجعله يبقى إلى جوارك حين أغيب أنا.
ثم توقف أمامي فجأة وسألني كأنه يحسم صراعًا داخليًا: أتظنين أن رجلًا مُستعبدًا؟. قبل أن يجيب بنفسه: يوسف هو أقوى رجل في هذه الأرض.
هو ذكي. حكيم ولطيف رغم ضخامته وكل ما رأيته منه يؤكد ذلك. سيحميكِ. سيعتني بكِ ولن يتخلى عنكِ لأنه ملزم تجاهكِ بالقانون وكان منطقه مرعبًا… لكنه بدا له منطقيًا.
يا أبي. أنا أعرف أن ما تقوله غير مألوف وأعرف أن المجتمع كله سيدينه بلا تردد. لكن الحقيقة المؤلمة أنكِ أُدِنتِ بالفعل. قبل هذا القرار بسنوات. دون أن يرفّ لهم جفن أو يشعروا بذرة ذنب.
نظر إليكِ اثنا عشر رجلًا وزنوا حياتكِ بميزانهم القاسي. ثم قرروا ببساطة أنكِ لا تستحقين الزواج ولهذا لم أعد أهتم برأي مجتمع لا يرى فيكِ إلا عبئًا وأسعى الآن لحماية ابنتي بكل ما أملك.
قلتُ له وأنا أرتجف: أنتَ تعاملني كأنني ملكية. تسلّمني لعبد كما لو كنتُ قطعة أثاث تُنقل من مكان إلى آخر. فرد بصوتٍ منخفض حاسم: سأضمن لكِ البقاء على قيد الحياة. ثم ارتفع صوته وانخفض كأنه يختنق.
إيلانة. لقد أمضيتُ أربع سنوات كاملة أبحث لكِ عن زوج بالطرق التي يعتبرها المجتمع صحيحة ومحترمة. لكنني فشلت ولهذا أحاول الآن حلًا آخر وإن كان هذا يخفف عنكِ. فأنا أراقب يوسف منذ سنوات.
لم يكن عنيفًا قط ولم يكن قاسيًا أبدًا. أعرف أن هذا لا يُفترض أن يكون مهمًا. لكنني رأيته بعيني. هو ذكي. كفؤ. صامت ويملك من القوة والانضباط ما يجعله الحامي الوحيد القادر على البقاء.
حاولت استيعاب ما يقوله. أن أتزوج. أو ما يُشبه الزواج حين يكون أحد الطرفين مستعبدًا. من رجل بالكاد تحدثتُ إليه. رجل يُسميه المجتمع ممتلكات ويطلقون عليه الوحش لضخامة جسده وهيبته الصامتة.
سألته بصوتٍ مبحوح: هل سألتَ يوسف؟ فأجابني: ليس بعد. أردت أن أخبركِ أولًا ولاحظت حينها كم بدا وجهه شاحبًا ومرهقًا. كأن القرار سحب ما تبقى من قوته.
ثم قال ببرودٍ قاتل: سأواصل البحث عن زوج أبيض وسنعلم كلانا أنكِ ستُرفَضين وسأموت أنا وتبقين وحدكِ فقيرة. تعيشين على صدقات أقارب لا يحبونك ولا يريدونك بينهم.
كانت تلك الصورة هي الأكثر قتامة لمستقبلي ورغم رغبتي في التمرد والبحث عن حل آخر. لم أستطع دحض منطقه. فالمجتمع لم يرغب بي واعتبرني غير صالحة للزواج ولم يترك لي سوى خيارين.
إما قبول حل والدي الجذري. أو مواجهة مستقبل من التبعية والضعف. فطلبت منه بصوت خافت: هل يمكنني مقابلته أولًا؟ التحدث إليه؟ فأجاب فورًا: بالطبع. سأرتب الأمر غدًا.
في تلك الليلة وأنا مستلقية على سريري. حاولت أن أتخيل مستقبلي وكنت قد سمعت الكثير عن يوسف. ذلك الرجل الضخم الذي يعرفه الجميع في هذا المكان. جسد هائل وقوة تفرض الصمت حيثما وُجد.
كان طويل القامة بشكل مخيف. عريض الكتفين ويداه قادرتان على ثني الحديد. يعمل في ورشة الحدادة. يصنع حدوات الخيل والأدوات الثقيلة ويخشاه الناس ويفسح له العبيد الطريق دون كلمة.
وأراد والدي أن أتزوجه. حاولت أن أتخيل حياتي مع رجل لا أعرفه. رجل يراه المجتمع ملكًا. رجل يبدو قادرًا على كسري إلى نصفين دون عناء ولم أستطع أن أرى أبعد من الخوف والغرابة والاستحالة.
لكن مع اقتراب الفجر. تشكّلت فكرة واضحة. إذا كان عليّ الاختيار بين مستقبل يعتمد على أقارب يرونني عبئًا. أو مستقبل مع رجل يثق به والدي لحمايتي. فربما كان الحل الجذري هو الخيار الوحيد.
في الصباح التالي. أحضر والدي يوسف إلى المنزل وكنت أجلس بجوار النافذة على كرسيّ المتحرك. حين سمعت خطوات ثقيلة تهز الردهة وكان أول ما خطر ببالي دون إرادة: يا إلهي. إنه ضخم بشكل لا يُصدق.
دخل والدي أولًا. ثم تبعه رجل اضطر إلى الانحناء بشدة ليمر من الباب. كان يوسف طويلًا للغاية. كتفاه بالكاد يسمحان له بالعبور وجسده ممتلئ بعضلات صقلتها سنوات من العمل الشاق.
كانت يداه ضخمتين. مليئتين بندوب الحروق ووجهه أسمر داكن بلحية كثيفة. مسح الغرفة بنظرة سريعة دون أن تستقر عليّ ووقف ويداه متشابكتان ورأسه منخفض قليلًا. كعبدٍ يعرف مكانه جيدًا.
تنحنح أبي وقال: يوسف. هذه ابنتي إيلانة. فنظر إليّ لثانية قصيرة ثم خفض عينيه إلى الأرض وقال بصوت عميق هادئ على نحوٍ مدهش: نعم. سيدي.
قال أبي: لقد شرحتُ له الوضع وهو يدرك أنه سيكون مسؤولًا عن رعايتكِ وحمايتكِ. فجمعت شجاعتي وقلت: يا يوسف. هل فهمت ما اقترحه والدي؟ فأجاب: نعم يا آنسة.
قالها بتردد واضح: أنا هنا لأكون زوجكِ. لأحميكِ. لأساعدكِ. إن وافقتِ. ثم أضاف بصوت خافت: ما أريده لا يهم عادةً. فأنا عبد وكانت صراحته قاسية وعادلة في آن واحد.
تدخل والدي قائلًا: سأترككما تتحدثان على انفراد وغادر وأغلق الباب. تاركًا إياي وحدي مع رجل يفترض أن يكون زوجي وساد الصمت بيننا طويلًا. لا هو يعرف ماذا يفعل ولا أنا.
سألته أخيرًا: هل تودّ الجلوس؟ وأشرتُ إلى الكرسي أمامي. فنظر إلى الكرسي الرقيق ثم إلى جسده الضخم وقال بهدوء صادق: لا أظن أن هذا الكرسي سيناسبني يا آنسة.
قلت بعد تردد: إذن… الأريكة.
جلس بحذرٍ على حافة الأريكة التي أصدرت صريرًا خافتًا تحت وطأة وزنه الثقيل. لكنه ثابر واستقر وحتى وهو جالس. كان أطول من معظم الرجال الواقفين. كتلة بشرية هائلة تحاول أن تبدو أصغر مما هي عليه.
كانت يداه مستقرتين فوق ركبتيه ولم أستطع إلا أن أُحدّق فيهما؛ كل إصبع كان كهراوةٍ صغيرة. مليئة بالندوب والجلد المتصلّب. يدان قادرتان على سحق الحجارة. أو حمل إنسانٍ كامل بسهولةٍ مرعبة.
قال بصوتٍ منخفضٍ على غير ما توقعت: هل أنتِ خائفةٌ مني يا آنسة؟ سألته بعد تردّد: وهل ينبغي لي أن أكون كذلك؟ فأجاب فورًا. بلا تردّد: لا يا آنسة.
أضاف سريعًا وكأنه يخشى أن أسيء الفهم: لن أؤذيكِ أبدًا. أقسم على ذلك. أنا من يسمّونني الوحش. ارتجف صوته قليلًا. نعم. بسبب حجمي. لأنني أبدو مرعبًا. لكنني لستُ وحشيًا.
تابع وهو يتجنّب النظر إليّ: لم أؤذِ أحدًا قط… ليس عن قصد. ثم رفع عينيه نحوي وقال بهدوءٍ صادق. أعلم أن بإمكاني ذلك لو أردت. لكنني لن أفعل ولن أفعل أبدًا.
لم يكن أحد يستحق الأذى وكان في عينيه شيءٌ أربكني؛ حزنٌ قديم. استسلامٌ صامت وحلاوةٌ لا تتناسب إطلاقًا مع هذا الجسد الهائل الذي يخشاه الجميع وفي تلك اللحظة. شعرتُ بأن قرارًا يتكوّن داخلي.
قلت له بوضوح: يوسف. أريد أن أكون صادقة معك. شعرت باسمه يخرج من فمي ثقيلًا ومختلفًا. أنا لا أرغب في هذا أكثر مما ترغب أنت ولا أعرفك ولا تعرفني.
تابعت وأنا أقاوم ارتجاف صوتي: والدي يرتّب هذا الأمر لأنه يائس. لأنه يرى أنني لم أعد صالحة للزواج ويعتقد أنك الحل الوحيد المتبقي لحمايتي بعد رحيله.
ثم أضفت بعد صمتٍ قصير: لكن إن كنا سنفعل هذا. إن كنا سنعيش معًا ونعمل معًا. أيا كانت نتيجة هذا الاتفاق. فأنا بحاجة لمعرفة الحقيقة كاملة.
سألته مباشرة: هل أنت خطير؟ فهزّ رأسه ببطءٍ وقال: لا يا آنسة. فسألته: هل أنت قاسٍ؟ فأجاب بنفس النبرة: لا يا آنسة.
نظرت إليه طويلًا قبل أن أسأل السؤال الأصعب: هل ستؤذيني يومًا؟ فرفع رأسه وقال بجديةٍ جعلت قلبي ينقبض: أعدك بكل غالي لديا أنني لن أؤذيكِ أبدًا.
قلت: لدي سؤال آخر. هل تجيد القراءة؟ فاجأه السؤال بوضوح. اتسعت عيناه وظهر الخوف على ملامحه وصمت طويلًا. صمت رجل يعرف أن المعرفة قد تكون جريمة.
كانت القراءة محرمة على العبيد في ذلك الزمن. لا بقانون مكتوب. بل بعرف قاسٍ والاعتراف بمعرفة الحروف مخاطرة. قد تكلف صاحبها جلده أو حريته أو حياته.
وأخيرًا قال بصوت منخفض: نعم يا آنسة. أستطيع القراءة. تعلمت وحدي وأنا صغير. أعلم أن هذا غير مسموح. لكنني لم أستطع منع نفسي. كانت الكتب أقوى من الخوف.
قال وهو يبحث عن الكلمات: الكتب أبواب. أبواب لأماكن لم أكن لأصل إليها بجسدي وأفكار ما كانت لتخطر ببالي أبدًا لولاها. فسألته: وماذا تقرأ؟
أجاب: أي شيء أجده. صحف قديمة. أوراق منسية وأحيانًا كتب أستعيرها من عبيد آخرين يعثرون عليها. أقرأ ببطء. لم أتعلم جيدًا. لكنني أقرأ.
سألته بدهشة: هل قرأت شكسبير؟ رفع رأسه فجأة وقال: نعم يا آنسة. هناك نسخة قديمة في مكتبة القصر لا يلمسها أحد. أقرأها ليلًا عندما ينام الجميع.
قلت: أي المسرحيات؟ فأجاب بحماس لم يستطع إخفاءه: هاملت. روميو وجولييت والعاصفة. ثم قال بصوت أعلى قليلًا: العاصفة هي مسرحيتي المفضلة.
تحدث عن بروسبيرو وعن الجزيرة وعن آرييل الذي يحلم بالحرية وعن كاليبان الذي يُعامل كوحش. رغم أنه ربما أكثر إنسانية من كل من حوله.
ثم توقف فجأة وكأنه تذكر نفسه ومكانه وقال: أنا آسف يا آنسة. أطلت الحديث. لكنني قلت له بسرعة: لا. استمر. لقد فوجئت حقًا. للمرة الأولى منذ بدأت هذه المقابلة.
طلبت منه أن يحدثني عن كاليبان. فبدأ يوسف الحداد. العبد الذي يسمونه الوحش. يتحدث بذكاء وبصيرة كانت كفيلة بإرباك أي رجل متعلم في هذا القصر.
قال: يسمونه وحشًا. لكنه في الحقيقة عبد. سُلبت أرضه ووُصفت أمّه بالساحرة. فقط لأن الغريب أراد السيطرة. فمن هو الوحش الحقيقي إذن؟
استمعت إليه مذهولة وهو يشرح كيف يُسكت صوت كاليبان. كما تُسكت أصوات العبيد وكيف يُجبر الإنسان على قبول صورة لم يخترها لنفسه.
تحدثنا ساعتين كاملتين عن الكتب والفلسفة والأفكار وكان واضحًا أن معرفته غير منظمة. لكنها حادة وأن عقله متقد ورغبته في الفهم صادقة.
ومع مرور الوقت. شعرت بخوفي يذوب. لم يكن هذا الرجل وحشًا. بل إنسانًا ذكيًا. لطيفًا. مراعياً. محبوسًا داخل جسد قرر المجتمع أن يخافه.
وفي نهاية الحديث قلت له: يا يوسف. إن أصبحنا ما يريده أبي. فأريدك أن تعرف شيئًا. أنا لا أعتقد أنك غبي ولا أعتقد أنك وحش.
أعتقد أنك إنسان أُجبر على العيش في وضع مستحيل. مثلي تمامًا وفجأة امتلأت عيناي بالدموع. بينما نظر إليّ بصمت طويل.
قال أخيرًا بصوت مكسور: شكرًا لكِ يا آنسة. فقلت: ناديني إيلانة عندما نكون وحدنا. فرد بسرعة: لا ينبغي ذلك. لا شيء في هذا الموقف لائق.
قلت له بهدوء ثابت: إذا كنا سنصبح زوجًا وزوجة. أو أيًّا كان هذا الاتفاق الذي فرضته الظروف. فعليك استخدام اسمي. لا أقبل أن أكون لقبًا أو حالة وافق ببطء وردد اسمي. إيلانة. بصوت عميق رقيق بدا كالموسيقى.
ثم قال وهو ينظر إليّ بثبات: يجب أن تعرفي شيئًا أيضًا. أنا لا أعتقد أنكِ غير صالحة للزواج. بل أعتقد أن الرجال الذين رفضوكِ كانوا حمقى. فالرجل الذي لا يرى ما وراء الكرسي. لا يستحق المرأة الجالسة عليه.
كانت تلك ألطف كلمات سمعتها منذ أربع سنوات. كلمات لم تُقال شفقة. بل قناعة. فسألته مباشرة: هل ستفعل هذا يا يوسف؟ هل ستقبل خطة والدي؟ فأجاب بلا تردد: نعم. بلا شك. سأفعل.
قالها وكأنه يوقّع قدره: سأحميكِ. سأعتني بكِ وسأتقبل هذا الاتفاق وسأتقبل أنني أستحقكِ وسأحاول أن أجعل الحياة محتملة لنا معًا. ثم أبرمنا الاتفاق بمصافحة صامتة.
التفت أصابعه الضخمة حول يدي. فبدت يده دافئة وناعمة على غير المتوقع وفي تلك اللحظة. بدا حل والدي اليائس أقل قسوة وأقل استحالة وأكثر إنسانية مما تخيلت.
تم إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاق بعد أيام. بعقد شرعي عند مأذون. بحضور والدي وشاهدين. في صمت ثقيل يعرف أن المجتمع لن يغفر هذا الزواج.
لم يكن زفافًا بالمعنى المعروف. فالعبد لا يُعترف بزواجه والمرأة المقعدة لا تُحتفل بها ومع ذلك قرأ المأذون الفاتحة وسُمّيت زوجة وسُمّي يوسف زوجًا. رغم أن العالم رفض الاعتراف.
أعلن والدي أمام المشرفين والخدم أن يوسف الحداد أصبح مسؤولًا عن رعايتي وحمايتي وقال بوضوح: أي أذى يصل إلى إيلانة. يصل إليّ وعليكم معاملته بالاحترام الذي يستحقه. لا بالخوف ولا بالإهانة.
تم تجهيز غرفة ليوسف بجوار غرفتي. متصلة بباب صغير. منفصلة رسميًا. لكن قريبة بما يكفي للشعور بالأمان ونقل متاعه القليل من عنابر العبيد. بعض الملابس. أدوات الحدادة وكتب أخفاها لسنوات.
كانت الأسابيع الأولى صعبة علينا معًا. لا أنا أعرف كيف أكون زوجة ولا هو يعرف كيف يكون رجلًا في علاقة لا تقوم على الملكية. بل على اتفاق هش بين الخوف والاحتياج.
كنت معتادة أن يعتني بي الخدم وهو معتاد على العمل الشاق والآن أصبح يهتم بأدق التفاصيل. يساعدني في ارتداء ملابسي. يحملني عندما يعجز الكرسي ويؤدي مهام لم أتخيل مشاركتها مع رجل.
ومع ذلك. تعامل يوسف مع كل شيء بحساسية نادرة. كان يستأذن قبل أن يحملني ويصرف نظره قدر استطاعته. كأنه يعيد لي كرامة كنت أظنها ضاعت مع جسدي.
قلت له ذات صباح. بعد لحظة صعبة: أعلم أن هذا مرهق وأنك لم تختر هذا. فنظر إليّ وقال بهدوء: ولا أنتِ اخترتِ ما حدث لكِ. لكننا هنا الآن. نحاول فقط النجاة.
كنت أعيد ترتيب رفوف مكتبتي وطلبت منه ترتيبها أبجديًا. فقبل الأمر كمهمة حقيقية وبينما كان راكعًا بجوار الرفوف. قال فجأة: إيلانة. لقد كنتُ مستعبدًا طوال حياتي.
قالها بلا شكوى: عملت في حرارة تقتل الرجال. جُلدت على أخطاء لم أرتكبها وبِعت بعيدًا عن أمي وعوملت كحيوان. ثم أشار إلى الغرفة وقال: هذا المكان ليس فقرًا. لكنه ليس حرية أيضًا.
ثم أضاف بصراحة مؤلمة: ومع ذلك. أُفضّل أن أكون مستعبدًا هنا معك. على أن أكون حرًا في مكان آخر بلا معنى وسألني: هل من الخطأ قول ذلك؟ فأجبته: لا. أعتقد أنه الحقيقة.
بحلول نهاية أبريل. كان لدينا روتين واضح. في الصباح يساعدني يوسف في الاستعداد. ثم يأخذني إلى غرفة الإفطار وبعدها يذهب إلى ورشة الحدادة. بينما أتابع شؤون المنزل والمراسلات.
في فترة ما بعد الظهر. كنا نقضي الوقت معًا. أحيانًا أراقبه وهو يشكل الحديد وأحيانًا يقرأ لي وقد تحسنت قراءته كثيرًا بفضل المكتبة ودروسي المتقطعة.
تحدثنا عن كل شيء. عن أمه التي بيعت وهو طفل. عن حلم الحرية وعن أمي التي ماتت مبكرًا وعن الحادث الذي شلّني وعن مجتمع لا يريد أيًّا منا.
كنا شخصين منبوذين وجد كلٌّ منهما عزاءه في الآخر. لا حبًا معلنًا ولا قصة مقبولة. بل شراكة هادئة بين قلبين وُضعا في المكان الخطأ.
في شهر مايو. تغيّر شيء ما بهدوء. شيء لم أستطع تسميته فورًا. كنت أراقب يوسف الحداد وهو يعمل في ورشة الحدادة. كما اعتدت. أتابع حركة جسده القوي وهدوءه الغريب وتركيزه الذي يجعل العالم يختفي حوله.
كان يصنع مجموعة جديدة من المفصلات لباب مخزن الحبوب. يسخّن الحديد حتى يحمرّ كلون الغروب. ثم يطرقه بضربات دقيقة محسوبة. لا عنف فيها. فقط فهم عميق للمعدن. كأنه يتحدث معه بلغة لا أعرفها.
سألته فجأة. دون تخطيط: هل تعتقد أنني أستطيع فعل ذلك؟ توقف ونظر إليّ بدهشة صادقة وقال: فعل ماذا؟ قلت: المطرقة. أن أطرق شيئًا بيدي. فنظر إلى النار ثم قال بقلق: إنها ساخنة وخطيرة.
قلت له وأنا أشد ظهري: لقد تحملت الكثير في حياتي لأن الجميع يفترض أنني ضعيفة. لكن ربما بمساعدتك أستطيع. صمت لحظة. نظر إليّ طويلًا. ثم أومأ برأسه ببطء. موافقًا.
قال: حسنًا. سنفعل هذا بأمان. قرّب الكرسي المتحرك من ذراع التثبيت وسخّن قطعة صغيرة من الحديد. حتى أصبحت جاهزة وضعها على النير. ثم ناولني مطرقة أخف وزنًا. لكنها ما زالت ثقيلة.
قال بهدوء: اضربي هنا. لا تقلقي بشأن القوة. فقط اشعري بحركة المعدن. رفعت المطرقة وضربت. كانت الضربة ضعيفة. بالكاد تركت أثرًا. شددت كتفيّ وضربت مرة أخرى. أقوى قليلًا.
بدأ الحديد ينحني ببطء. قال مبتسمًا: جيد. استمري. ضربت مرارًا. ذراعاي تحترقان. كتفاي تؤلمانني. العرق يتصبب من وجهي. لكنني كنت أعمل. أشكّل شيئًا بيدي. بقوتي.
عندما برد الحديد. رفع يوسف القطعة المنحنية قليلًا وقال: مشروعك الأول. ليس مثاليًا. لكنه حقيقي. ثم ضحك وبكى في آنٍ واحد وأنا أيضًا. لقد صنعت شيئًا بيدي لأول مرة منذ سنوات.
قال لي: أنتِ أقوى مما تظنين. ثم أضاف بنبرة هادئة: لم تكوني ضعيفة يومًا. كنتِ فقط تحتاجين إلى النشاط المناسب ومنذ ذلك اليوم. بدأت أقضي ساعات طويلة في ورشة الحدادة بجانبه.
علّمني الأساسيات: كيف أقرأ لون النار وكيف أطرق دون كسر المعدن. لم أكن قادرة على الأعمال الشاقة. لكنني صنعت أشياء صغيرة. خطافات. أدوات بسيطة وقطعًا زخرفية وكل واحدة منها كانت انتصارًا.
لأول مرة منذ أربعة عشر عامًا من الحادث. شعرت بقدرة بدنية حقيقية. ساقاي لا تعملان. لكن ذراعي ويدي تعملان وفي ورشة الحدادة. كان ذلك كافيًا لأشعر أنني لست عاجزة.
ثم جاء كشف آخر في إحدى ليالي مايو. كنا في المكتبة وكان يوسف يقرأ شعر كيتس بصوت عالٍ. تحسنت قراءته كثيرًا. حتى صار قادرًا على قراءة نصوص معقدة بثقة ونعومة.
كان صوته مثاليًا للشعر. عميقًا ورنانًا. يملأ الغرفة بثقل جميل. قرأ: الشيء الجميل فرح أبدي. فسألته: هل تؤمن أن الجمال لا يزول؟ قال: أؤمن أن ذكرى الجمال لا تزول.
سألته: ما أجمل شيء رأيته في حياتك؟ صمت طويلًا. ثم قال بهدوء: بالأمس في ورشة الحدادة. كنتِ مغطاة بالسخام. متصببة عرقًا وتضحكين وأنتِ تدقين الحديد. كان ذلك جميلاً.
انقبض قلبي. قلت بسرعة: أنا آسفة. لم يكن عليّ أن أفعل ذلك. قاطعني: لا. ثم سحبت كرسيّ المتحرك أقرب إليه وقلت: قلها مرة أخرى. قال: كنتِ جميلة. بل أنتِ جميلة.
قال بثبات: لطالما كنتِ كذلك يا إيلانة. الكرسي لا يغيّر ذلك. الساقان لا تغيّران ذلك. أنتِ ذكية. لطيفة. شجاعة وجميلة والرجال الذين رفضوكِ كانوا حمقى عميان.
قال بنبرة حادة: رأوا الكرسي فتوقفوا عن النظر. لم يروا المرأة التي تعلمت اليونانية للمتعة. التي تقرأ الفلسفة. التي طرقت الحديد رغم جسدها. لم يروا أيًا من هذا.
مددت يدي وأمسكت بيده. يده الكبيرة المليئة بالندوب. القادرة على ثني الحديد. أمسكت بيدي كأنها من زجاج وسألته: هل تراني يا يوسف؟ قال: أراكِ وأقع في حبك.
توقفت الكلمات بيننا. خطيرة. مستحيلة. امرأة مقعدة ورجل مستعبد في 1836. لا مكان لنا. قلت بخوف: لا يمكننا. ماذا سيفعلون؟ قال: الأمان هو الفارق. لكن قلبي اختارك.
انحنيت للأمام وقلت: كنت بحاجة لأن تعرف. حتى لو كان هذا خطأ. صمت طويلًا. ثم قال: أحببتك منذ حديثنا عن شكسبير. منذ عاملتِ أفكاري كأنها مهمة. أحببتك كل يوم.
قالها أخيرًا: أحبك. ثم اقتربنا وتبادلنا أول قبلة لي في الثانية والعشرين. في مكتبة مليئة بالكتب. مع رجل قال المجتمع إنه خطأ وكانت تلك اللحظة… كاملة.
عشنا أنا ويوسف الحداد خمسة أشهر داخل فقاعة من سعادة مسروقة. نخاف عليها من العيون ونخفيها خلف هيئة السيدة المطيعة وحارسها المعيّن. كما يليق ببيت باشا
لكن في الخفاء. كنا رجلًا وامرأة وقعا في حب محرّم. حب لا يعترف به زمن الباشاوات وأبي إمّا لم ينتبه. أو اختار تجاهل ما يحدث تحت سقف قصره الواسع.
لاحظ فقط أنني أكثر هدوءًا وأن يوسف أكثر انتباهًا وأن الترتيب الذي فرضه بدا ناجحًا. فلم يسأل عن ساعات العزلة ولا عن نظراته ولا عن ابتسامتي حين يقترب.
خلال تلك الأشهر. صنعنا حياة كاملة في الظل وواصلت تعلّم الحدادة. يوجّه يدي المقعدتين بصبر. فأصنع قطعًا أعقد وكأن الحديد يلين احترامًا لوجوده معي.
كان يوسف يقرأ بنهمٍ من مكتبة القصر. يلتهم كتب الفقه والفلسفة والتاريخ ويتغير حديثه يومًا بعد يوم. فنقضي الليالي نتكلم عن كل شيء وعن لا شيء. بلا خوف.
تحدثنا عن عالم يسمح لنا بالوجود علنًا. ثم نصمت لأننا نعرف استحالة ذلك. فنتمسك بالحاضر. نسرق سعادته ونقنع أنفسنا أن الغد. مهما كان. لن يُمحِي ما عشناه.
نعم. كنا نحب بعضنا. حبًا لا مكان له في سجلات الملكية ولا في دفاتر العبيد ولا في أعراف القاهرة والجيزة في ذلك الزمان القاسي.
لن أصف ما يحدث بين عاشقين. لكنني أقول إن يوسف عامل جسدي كما عامل روحي. برفقٍ نادر واحترام جعلني أشعر بأنني إنسانة كاملة. لا مقعدة ولا مملوكة للشفقة.
بحلول أكتوبر. صنعنا عالمًا صغيرًا داخل مساحة مستحيلة. فرضها علينا مجتمع لا يرى فيّ سوى عيب ولا في يوسف سوى ملك ومع ذلك كنا سعداء بما يكفي لنخاف الفقد.
في الخامس عشر من ديسمبر عام 1836. انكشف كل شيء. كنا في مكتبة القصر. غارقين في بعضنا. نتبادل القبلات ببراءة من يظن نفسه وحيدًا ولم نسمع خطوات أبي.
انفتح الباب وجاء صوته باردًا كشتاء القاهرة. انفصلنا مذعورين وأبي واقف. ملامحه خليط من غضب وذهول وخوف لم أفهمه وقال باتهامٍ صريح: أنتِ تحبينه.
لم يكن سؤالًا. فسقط يوسف على ركبتيه فورًا. يتوسل. يعترف بالذنب. لكن أبي أسكته بصوتٍ هادئ مخيف. ثم نظر إليّ وسأل إن كنت مغرمة بهذا العبد.
كان يمكنني الكذب. إنقاذ نفسي وتسليم يوسف للعذاب والموت. لكنني لم أستطع. فاعترفت بالحب وقلت إنني من بدأت وإن كان عقاب فليكن لي وحدي.
تغيّر وجه أبي مرارًا. غضب. ثم حيرة. ثم صمت وأمر يوسف بالانسحاب إلى غرفته. فغادر وهو ينظر إليّ بقلق. تاركًا إيانا وحدنا داخل المواجهة الحقيقية.
سألني أبي إن كنت أدرك ما فعلت. فأجبته بأنني أحب رجلًا صالحًا. لكنه صرخ أنني أحب ملكًا. عبدًا وأن الفضيحة ستدمرني في مجتمع لا يرحم المختلفين.
قلت له إنهم يرونني معطوبة أصلًا. فكيف أخاف من وصف جديد. فأجاب أن الفرق هو الحماية وأنه سلّمني لعبد ليحميني. لا ليكسر قوانين الزمن.
صرخنا. سنوات من الكبت انفجرت. قلت إنني بأمان أكثر من أي وقت وإن يوسف سيموت قبل أن يؤذيني أحد. فذكّرني بالميراث وبابن العم وبالمصحة.
قال إن يوسف سيباع يوم موته وإنني سأُحبس. ثم عرض الحل اليائس: تحريره والهرب إلى الميناء. حيث لا أرض ولا اسم ولا حماية في عالمٍ أوسع قسوة.
لم يخفِ عني حقيقة العنصرية ولا نظرة العالم لامرأة بيضاء مع رجل أسود. عبدًا كان أو حرًا وسألني إن كنت أظن حياتي الآن صعبة بما يكفي.
قلت إنني لا أبالي. ثم اعترفت أنني أبالي. لكنه أبي ولن يسمح لي بالدمار. فرددت بأن سعادتي الوحيدة معه وأن المجتمع لا يملك قلبي.
انهار أبي على الكرسي. شيخًا في السادسة والخمسين وسألني ماذا أفعل. فقلت إنني أحبه وإن هذا لن يتغير. فسقط الصمت واهتزت نوافذ القصر برياح ديسمبر.
في مكان ما داخل القصر. بعيدًا عن العيون. كان يوسف الحداد ينتظر معرفة مصيره واقفًا في صمت ثقيل. كأن الزمن توقف عند هذه اللحظة. لا قبله ولا بعدها.
وأخيرًا تكلم أبي. بصوت منخفض لكنه حاسم وقال إنه يستطيع بيعه. إرساله إلى أقصى الصعيد. مكان لا يعود منه العبيد ولا تصل إليه الذكريات.
أكد أن ذلك سيضمن ألا أراه مرة أخرى. فشعرت بالدم يتجمد في عروقي وصرخت أترجاه أن يسمح لي بالكلام ولو لمرة أخيرة.
نظر إليّ بعينين منهكتين وقال إن البيع هو الحل الأمثل وإن التفريق بيننا هو الطريقة الوحيدة لإنهاء ما بدأ. قبل أن يخرج عن السيطرة.
طلبت منه أن أتصرف كأن شيئًا لم يحدث. أن يبحث لي عن ترتيب آخر. أي مصير لا ينتهي باختفاء يوسف من حياتي إلى الأبد.
رفع يده ليمنعني من الاستمرار وقال إنه لن يفعل. لأنه كان يراقبني طوال الأشهر التسعة الماضية دون أن أشعر.
قال إنه رآني أبتسم أكثر مما ابتسمت في السنوات الأربع عشرة الماضية. رآني واثقة. قادرة. أقل انكسارًا ورأى كيف ينظر يوسف إليّ كأنني أثمن شيء في العالم.
اشتعل الأمل في صدري وسألته بارتباك إن كان يعترف بذلك. رغم أنه يخالف كل ما رباني عليه من سلطة وحدود وخوف من كلام الناس.
مسح وجهه بكفه وقال إنه أخطأ حين سمح للأمر بالاستمرار وإن مجرد التفكير في رابطة بيننا خلق رابطة لا يمكن إنكارها.
سألته ماذا ينوي أن يفعل. فنهض وقال إنه يحتاج إلى وقت. ليجد حلاً لا يترك أحدًا منا محطمًا أو ملطخ الاسم.
قال إن لا مكان لمثل هذا داخل مصر. لا في الجيزة ولا القاهرة وإن المجتمع لن يقبله. حتى لو حاول إخفاءه تحت ألف ستار.
سألني إن كنت مستعدة لتحمل واقع العيش على الهامش. بلا حماية ولا اسم. فقلت دون تردد إنني مستعدة لكل شيء. إن كان يوسف سيبقى.
أومأ برأسه ببطء وقال إنه سيجد حلًا. لا يعرف شكله بعد. لكنه وعد ألا يتركنا لمصير أسوأ من الموت.
تركني في المكتبة وقلبي يخفق بعنف. ممتلئًا بالأمل والخوف معًا. كأنني أقف على حافة حرب لا أعرف من سيخرج منها سالمًا.
بعد ساعة استدعوا يوسف وأخبروه بما قاله أبي. فانهار جالسًا وارتجف جسده بين الصدمة والرجاء وهو يردد أنه لن يخونني أبدًا.
قال إنه سيحاول إيجاد حل. ثم غطى وجهه بيديه وانخرط في بكاء مكتوم. خليط من الراحة وعدم التصديق والخوف من القادم.
تمسكت به قدر استطاعتي من فوق كرسيّ المتحرك وتمسكنا معًا بأمل هش. بأن أبي. بطريقة ما. قد يجعل المستحيل ممكنًا.
مر شهران كاملان وأبي يفكر. شهران عشناهما أنا ويوسف في ترقب دائم. ننتظر قرارًا قد يغير مصيرنا إلى الأبد.
استمر روتيننا اليومي. العمل في ورشة الحدادة والقراءة والحديث الطويل. لكن كل شيء بدا مؤقتًا. كأننا نعيش على وقت مستعار.
في نهاية الشهر الثاني. استدعانا إلى مكتبه وقال دون مقدمات إنه اتخذ قراره. فجلسنا أمامه. أنا على كرسيّ ويوسف قبالتي.
قال إن هذا الأمر لا يمكن أن ينجح داخل هذا المجتمع وإن القوانين والعرف سيقضيان علينا معًا إن بقينا تحت نفس السقف.
أضاف أنه إن أبقى يوسف هنا. حتى كحامٍ معلن. ستزداد الشكوك ومع الوقت سيفتح تحقيق وسنُدمر جميعًا.
ثم توقف قليلًا وقال إنه سيعرض خيارًا آخر وأعلن أنه سيحرر يوسف رسميًا. بوثائق لا يستطيع أحد الطعن فيها.
قال إنه سيمنحه مالًا يكفي لبدء حياة جديدة ورسائل تعريف لأشخاص في الإسكندرية والقاهرة يمكنهم مساعدته على الاستقرار بعيدًا.
شعرت أنني لا أستطيع التنفس وسألته إن كان سيطلق سراحه حقًا وإن كان سيسمح لنا بالرحيل معًا. فأجاب بنعم واضحة.
أصدر يوسف صوتًا مختنقًا. نصفه بكاء ونصفه ضحكة وأنا شعرت أن قلبي لا يحتمل الفكرة ولا يحتمل الفقد.
قال أبي بصوت حازم غير قاسٍ. إن يوسف حماني أكثر من أي رجل وإنه منحني الثقة والقدرة اللتين ظننت أنني فقدتهما.
قال إنه مقابل ذلك يمنحه حريته والمرأة التي يحبها. فهمست له بالشكر والدموع تملأ عيني دون خجل.
قال لي ألا أشكره الآن. لأن الطريق لن يكون سهلًا وسنواجه نظرات ورفضًا وصعوبات اقتصادية واجتماعية قاسية.
سألني إن كنت متأكدة من هذا المصير. فقلت إنني متأكدة أكثر من أي شيء عرفته في حياتي.
أقسم يوسف أنه سيقضي عمره في حمايتي ورعايتي وحبي. فوافق أبي وبدأ تنفيذ القرار.
قال إن إجراءات الحرية ستستغرق أسبوعًا وإنه تواصل مع شيخ يعقد القران دون أسئلة. متعاطف مع المظلومين.
سنغادر كزوج وزوجة. أحرارًا قانونيًا ومعنا ما يكفي لبداية جديدة. أما الأسبوع التالي. فكان بداية حياة لم نتخيلها يومًا.
تعاون والدي مع كُتّاب العدل ومحامين تابعين للديوان لإعداد وثائق عتق يوسف الحداد. معلنة أنه رجل حر. بلا سيد وله حق التنقل والعمل دون إذن أو قيد.
صدر العتق مختومًا بختم الحكومة ومشهودًا عليه من رجال الدولة. ليصبح يوسف حرًا شرعًا وقانونًا. لا يملكه أحد ولا يُباع ولا يُشترى بعد اليوم.
رتّب والدي زواجنا على سنة الله ورسوله. بعقد شرعي سري. أشرف عليه مأذون موثوق. بحضور والدي وشاهدين عدلين فقط. دون إعلان أو زفة.
جلس يوسف أمامي وأنا على كرسيّ المتحرك وربطنا العقد بكلمات قليلة. لكنها حملت وزن عمر كامل ومسؤولية لم نكن نعرف كيف سنحتملها.
قطعتُ العهد لله قبل يوسف وقطعه هو قبلي. أن نكون سترًا لبعضنا وأمانًا. لا فضيحة ولا خيانة ولا تراجع مهما اشتدت الأيام.
احتفظتُ باسمي إيلانة عبد الرحمن. لأنني ابنة أبي قبل أي شيء ولم أشأ أن أقطع آخر خيط يربطني بالعائلة التي نشأت بين جدرانها.
أصبح يوسف رجلًا حرًا متزوجًا من امرأة حرة. بعقد شرعي صحيح. لا يطعن فيه أحد ولا يلغيه عرف ولا يفسده همس الناس.
غادرنا القصر مع فجر يوم هادئ. في عربة خاصة أعدّها والدي. دون موكب ودون خدم. فقط حقيبتان تحملان ما تبقى من حياتنا القديمة.
كانت أمتعتنا قليلة: ملابس بسيطة. بعض الكتب. أدوات حدادة ووثيقة العتق التي حملها يوسف كما يُحمل المصحف. بخشوع وخوف.
عانقني والدي طويلًا قبل الرحيل وقال بصوت مكسور: اكتبِ لي. طمئنيني أنكِ بخير وأنكِ لم تندمي على هذا الطريق الصعب.
قلت له إنني سأفعل وإنني أحبه. مهما اختلفنا ومهما ابتعدت المسافات. فابتسم بحزن وقال: اذهبي وابني حياتك وكوني قوية.
صافح يوسف والدي بكل احترام وقال إنه سيحفظني بعمره. فرد أبي بهدوء: هذا كل ما أطلبه منك. لا أكثر.
سافرنا بعيدًا عن الجيزة وكل ميل نبتعده كان يخلع عن يوسف بقايا العبودية ويضعنا خطوة أقرب لحياة لا نعرف شكلها.
كان يوسف يتوقع أن يعترضنا أحد. أن يشكك في أوراقه أو زواجنا. لكن الطريق مرّ صامتًا. كأنه يتغاضى عنا عمدًا.
وصلنا إلى مدينة جديدة. مزدحمة. قاسية. لا تعرف أسماءنا ولا تاريخنا. لكنها لا تعرف أيضًا ماضينا وذلك وحده كان كافيًا للبداية.
استقرينا في مسكن متواضع. بين غرباء. لا يسألون كثيرًا ولا يهتمون بمن نكون. فقط بما ندفعه وكيف نعيش.
هناك. بدأنا أول أيام الحرية. بلا حماية. بلا ألقاب. فقط زوج وزوجة وقلقان. لكنهما معًا. أخيرًا. دون سلاسل.
افتتح يوسف ورشة حدادة صغيرة بالمال الذي تركه له والدي. في طرف هادئ من المدينة. قريب من الأسواق وبعيد عن العيون التي لا تنسى الماضي بسهولة.
ذاع صيته سريعًا. لمهارته وأمانته ولأن جسده القوي مكنه من أعمال دقيقة يعجز عنها غيره. فأصبحت الورشة مقصدًا للتجار وأصحاب البيوت.
توليتُ إدارة الحسابات وتنظيم الطلبيات والتعامل مع الزبائن. فصار عقلي وتعليمي. اللذان اعتُبرا يومًا عبئًا. سببًا مباشرًا في ازدهار عملنا.
بعد عام. رزقنا الله طفلنا الأول. سميناه عبد الرحمن. تيمّنًا بوالدي وكان صحيح الجسد. هادئ الملامح. كأنه جاء ليطمئن قلبي.
عندما رأيت يوسف يحمل طفلنا لأول مرة. بكل هذا الحذر والحنان. أدركت أن اختياري لم يكن تمردًا. بل عودة صادقة للفطرة.
أنجبنا بعده أربعة أبناء. كبروا في بيت لا يعرف العبودية ولا يخجل من الاختلاف وتعلموا أن الكرامة لا يمنحها الناس. بل تُصان.
حرصنا على تعليمهم. في كتاتيب ومدارس تقبل الجميع. لا تميز بين لون أو أصل وتزرع فيهم أن العمل شرف والعلم عبادة.
بعد سنوات. صمّم يوسف دعامة معدنية بسيطة. ثبّتها لساقي وربطها بحزام حول خصري. مستفيدًا من خبرته الطويلة في الحديد.
بمساعدة الدعامة والعكاز وقفتُ. مترددة. خائفة. ثم خطوت. خطوة غير متزنة. لكنها كانت أول خطوة لي منذ طفولتي.
بكيت وقلت له إنني مشيت بفضله. فابتسم وقال إنني كنت أمشي دائمًا. لكنني احتجت فقط أداة. لا معجزة.
زارنا والدي مرتين. رأى بيتنا وورشتنا وأحفاده ورأى في أعيننا رضا لم يعرفه القصر يومًا. فعاد صامتًا. مطمئن القلب.
ترك لي رسالة قبل وفاته. قال فيها إنني لم أكن بحاجة لحماية المجتمع. بل لحبٍ صادق وإن يوسف رأى فيّ ما عجزوا عن رؤيته.
عشت مع يوسف ثمانية وثلاثين عامًا. لم أكن فيها باشاوية ولا مقعدة ولا ابنة خطيئة اجتماعية. بل امرأة وزوجة وأم وشريكة حياة.
كبر أولادنا وتزوجوا وامتلأ البيت بالأحفاد وتحولت الورشة إلى اسم معروف. يُذكر باحترام. لا خوف ولا همس ولا ألقاب مشينة.
مرضتُ في شتاء قاسٍ واشتد عليّ الوهن. فأمسك يوسف بيدي حتى آخر نفس وكأن الحياة كانت عقدًا لا يُفك إلا معًا.
رحلتُ أولًا وبعدي بيوم واحد. لحقني يوسف. قالوا إن قلبه توقف. لكن أولادنا عرفوا أن القلوب لا تعيش وحدها طويلًا.
دُفنا معًا في مقبرة صغيرة على أطراف الجيزة. دون ألقاب. دون أوسمة. فقط اسمين وحكاية حب. لم يسمح لها الزمن أن تُكمل منفردة.
كتب أحد أبنائنا قصتنا لاحقًا. لا كفضيحة. بل كشهادة. عن امرأة مقعدة وعبد سابق وبلد قاسٍ وحب هزم كل التوقعات.
لم تكن حكايتنا عن تحدي المجتمع فقط. بل عن إنسانين. رآهما الله بوضوح. حين عجز الناس عن رؤيتهما ومنحهما حياة كاملة.
