عائشة وما قيل عنها
لم يكن الصباح مختلفا عن غيره حين اعلن خبر وفاة عائشة تلك المرأة التي عاشت عمرها كله بهدوء شديد كأنها تخاف ان تترك اثرا ثقيلا في حياة اي انسان.
عائشة لم تكن مشهورة ولا ملفتة. امرأة بسيطة يعرفها الجميع بالسلام الخافت والابتسامة العابرة ولم يعرف عنها احد يوما صراخا او شكوى او رغبة في لفت الانتباه.
حين جاء وقت الجنازة خرج الرجال يحملون النعش بخطوات بطيئة ووقفت النساء خلف الابواب والشبابيك يراقبن المشهد بصمت اعتادته القرية في مثل هذه الايام.
وصلوا الى المقابر دون ان يشعر احد بان هناك شيئا غير طبيعي. حتى انزلوا النعش واقتربوا من الحفرة التي اعدت لاستقبال الجسد. فحدث ما لم يكن في الحسبان.
خرج من باطن القبر ثعبان اسود ضخم ملتف الجسد مرفوع الرأس. ثابت النظرات كأنه حارس لا يسمح لشيء ان يقترب فارتدت الاقدام للخلف وتوقف النفس في الصدور.
حاولوا مرة اخرى بعد ان اختفى الثعبان اقتربوا بحذر وما ان لمسوا حافة القبر حتى عاد للظهور اعنف واشد كأنه يرفض الجسد ويرفضهم معه.
تكررت المحاولة اكثر من مرة وتكرر الفشل ومع كل فشل كان الخوف يتحول تدريجيا الى كلام والكلام يتحول الى اتهام سهل وجاهز.
قال احدهم ان هذا دليل سوء خاتمة وقال اخر ان من تظهر له مثل هذه العلامات لا بد انها ارتكبت ذنبا عظيما اخفته وأن تلك الإشاعة التي سموعها عنها. صادقة
بدأ الهمس ينتشر بين الحاضرين وتلك الاشاعة خرجت مرة ثانية من أفواهم فشوهت ذكرى امرأة لم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها.
نسي الجميع حياة عائشة الهادئة وتذكروا فقط موتها الغريب وتلك الإشاعة وكأن الانسان لا بفعله بل بالطريقة التي يرحل بها فقط.
عاد النعش الى البيت مع الغروب والاسئلة معلقة في الهواء والخوف يسكن العيون والجسد ينتظر قبرا لا يفتح له بابه.. في تلك الليلة اقترح احد كبار العائلة ان يأتوا بشيخ ليس ليصلي فقط بل ليفهم لان ما يحدث يحمل سرا لا يشبه الموت العادي.
جاء الشيخ مع الفجر شيخا وقورا هادئ الملامح لا ينظر في الوجوه بل في الفراغ من حوله كأنه يرى ما لا يراه الاخرون.
دخل البيت وقف امام النعش لم يلمس الجسد ولم يفتح الكفن جلس فقط واغمض عينيه طويلا ثم تنفس بعمق وقال بصوت ثابت كسر قلوب الحاضرين ان هذه المرأة لم تمت مذنبة وان ما رأوه ليس عقابا كما يظنون.
ارتبك الجميع وتبادلوا النظرات فكيف يفسرون الثعبان وكيف يصدقون ان ما حدث لا علاقة له بذنب او غضب.
قال الشيخ ان هذه امرأة ظلمت ظلما عظيما وقيل عنها ما ليس فيها وحملت اشاعة كاذبة صامتة حتى ماتت وهي تحمل وجعها وحدها.
ساد الصمت من جديد صمت اثقل من الخوف نفسه لان الحقيقة حين تقترب تصبح اشد وجعا من اي تفسير غيبي.
وقال الشيخ اخيرا ان الارض لا تقبل جسدا شوهه كلام الناس ظلما وان دفنها لن يتم قبل ان تعرف الحقيقة كاملة.
وبقي النعش في مكانه وبقيت القرية امام سؤال واحد من الذي قتل عائشة بالكلام قبل ان تموت بالجسد.
جلس الشيخ في وسط الدار والناس من حوله صامتون كأن كل واحد منهم يخشى ان يكون جزءا من الذنب او شاهدا سكت حين كان الكلام قادرا على الانقاذ.
قال الشيخ بهدوء ان الاشاعة لا تحتاج دليلا لتعيش يكفيها قلب مريض ولسان لا يخاف ثم تتحول الكذبة الصغيرة الى حكم جماعي لا ينجو منه احد.
بدأ يحكي عن عائشة فهو عرف حقيقتها وإنها جاءت الى هذه القرية منذ سنوات امرأة غريبة بلا اهل معروفين سكنت بيتا صغيرا على الاطراف وإنها عاشت بهدوء شديد بينهم.
قال ان عائشة خرجت من قريتها الاولى بعدما طاردتها اشاعة كاذبة اشاعة لا دليل لها سوى سوء الظن كبرت حتى صارت حقيقة في عيون الناس.
كانت الاشاعة قد بدأت منذ سنوات حين رآها احدهم واقفة تتحدث مع رجل غريب قرب بيتها لم يكن الامر اكثر من سؤال عابر لكنه تحول في الافواه الى قصة كاملة.
قالوا ان الرجل كان يزور بيتها وقالوا انها تخفي علاقة محرمة ولم يسأل احد عن الحقيقة ولم يكلف احد نفسه عناء التثبت او الدفاع.
تركت المكان وتركت اسمها هناك مشوها وجاءت الى هنا بقلب مكسور تحاول ان تعيش بلا ماضي كأن الصمت قادر على محو الاثر.
عاشت بينكم طيبة كما عرفتموها لم تؤذ احدا ولم تسيء لكنها ظلت تحمل داخلها خوفا قديما من ان يلحقها الكلام مرة اخرى.
قال الشيخ ان الظلم حين يسكن القلب يتحول الى ثقل لا يراه الناس لكنه يترك اثره في الروح وان عائشة ماتت وهي تحمل هذا الثقل وحدها.
سأل احد الحاضرين بصوت خافت عن الثعبان وعن سر ظهوره وعن سبب رفض الارض لجسدها فتنفس الشيخ بعمق قبل ان يجيب.
قال ان الثعبان لم يكن عقابا لها.. بل دافعا عنها وان الارض احيانا ترفض ان تشارك في ظلم لم يصححه البشر وهم احياء.
قال ان الثعبان خرج ليمنع دفن الجسد بالكذب وليجبر الناس على مواجهة ما فعلوه او ما سكتوا عنه او ما صدقوه بلا دليل.
ساد الوجوم وبدأت الوجوه تنخفض لان كثيرا منهم تذكر كلمة قالها او نظرة اطلقها او صمتا اختاره حين كان الصمت خيانة واعترف احدهم انه سمع هذه الاشاعة من شخص كان يعرفها في قريتها القديمة وهو صدق الاشاعة وكررها واعترفت امرأة انها صدقتها من غير دليل وبكى رجل لانه عرف الحقيقة وسكت خوفا من الناس.
طلب الشيخ أن يعلنوا براءة عائشة امام الجميع وان يتوبوا بالكلام كما أذنبوا بالكلام لان ما قتلها لم يكن فعلا بل لسانا.
خرجوا بها مرة اخرى الى المقابر والقلوب هذه المرة مثقلة بالندم لا بالخوف وحين اقتربوا من القبر لم يظهر شيء. انزلوا الجسد ولم تعترض الارض ولم يخرج الثعبان كأن المهمة انتهت حين عرفت الحقيقة طريقها الى النور.
دفنت عائشة اخيرا بعد ان غسل اسمها من رجس الكذب وبعد أن اعاد الناس اليها ما سلب منها ظلما سمعتها وكرامتها ووريت الثرى بعدما انتصرت الحقيقة لكن انتصارها جاء متأخرا. متأخرا حد الوجع الذي لا يداوى.. كان التراب الذي احتواها ارحم من قلوب قست واصدق من السنة طالما تزينت بالباطل.
عادوا من المقابر صامتين. غير ان الصمت هذه المرة لم يكن خوف ولا رهبة بل خجلا ثقيلا يسير على الأكتاف. خجل من كلمات قيلت بلا علم ومن ظنون صنعت بلا دليل ومن اتهامات وجهت بلا رحمة. ادركوا ولو متأخرين ان بعض الموت لا تصنعه الاقدار وحدها بل تصنعه الشائعات حين تطلق بلا وعي وتردد بلا تفكير وتصدق بلا ضمير.
في تلك القرية تغير كل شيء بعد عائشة. لم تعد الجنازات تمر كما كانت ولم يعد الموت خبرا عابرا كلما مات أحد. تذكروها وتذكروا كيف يمكن لكلمة واحدة أن تكون سكينا وكيف يمكن لصوت الجماعة أن يدفن إنسانا حيا. صاروا يخافون من السنتهم اكثر مما يخافون من القبور ويترددون قبل أن يحكموا بعدما رأوا كيف يكون الحكم ظالما وقاسيا وقاتلا.
تعلموا اخيرا ان سوء الخاتمة ليس في الموت بل في الظلم الذي يسبقه. وان البراءة حين تغتال معنويا لا يقل المها عن اغتيال الجسد. اما عائشة فقد رحلت وقد كشف الحق. لكن قصتها بقيت شاهدا لا يموت تهمس في آذانهم كلما هموا بالظلم اتقوا الكلمة فانها قد تقتل واتقوا الشائعة فإنها لا ترحم.
