متسكتيـش احكـي…انتي مش لوحدك

حكاية واقعية بأسلوب أدبي عن الصمت الطويل، والضغط الداخلي، وكيف يمكن للكلمة أن تكون بداية النجاة. رسالة لكل من يشعر أنه وحيد: أنت لست وحدك.

  لم أكن أظن أن الصمت يمكن أن يكون بهذا الثقل..سنوات طويلة مرت وأنا أبتلع الكلمات..أخبئ وجعي خلف ابتسامة متعبة..وأقنع نفسي أن التجاهل أهون من المواجهة

لكن الحقيقة كانت أوضح من أي إنكار.الألم لا يختفي حين نصمت. بل يكبر..ويتوحش..ويطالبنا يومًا بأن نحكي…مهما طال الهروب.

حين يصبح الصمت أسلوب حياة

لم أكن أبكي حين بدأت أحكي..كنت أرتجف..الفرق كبير بين الاثنين.

البكاء صوت...أما الارتجاف فهو ذاكرة الجسد حين يتذكر الألم قبل أن يسمح للفم بالكلام.

اسمي سلمى...ولم أكن يوما فتاة مدللة ولا متمردة..كنت فقط ابنة تحاول أن تعيش في بيت لم يعد بيتها منذ أن دخلت إليه امرأة تحمل لقب زوجة الأب...وتتصرف كأنها المالكة الوحيدة للأنفاس داخله.

تلك الليلة بدأت عادية..بل أكثر من عادية..البيت كان متحولًا إلى مسرح أنيق: مفرش أبيض ناصع...كؤوس بلورية مصطفة...أطباق مرتبة بدقة...وضحكات مصطنعة تملأ المكان.

كانت نهى...زوجة أبي...تستعد لعزومة كبيرة لصديقاتها من النادي...سيدات يلمع الذهب في معاصمهن أكثر مما تلمع الرحمة في قلوبهن.

أما أنا...فكان دوري محددًا بدقة

أما أنا...فكان دوري محددًا بدقة: أن أقدم المقبلات...فقط..أن أتحرك بصمت…أن أختفي إن أمكن.كنت أعرف القواعد..أحفظها كما يحفظ قانون الطوارئ: لا تسقطي شيئًا.لا تتنفسي بصوت عالٍ..ولا تخطئي...أبدًا.

لكن الخطأ لا يحتاج نية..يكفي طرف سجادة غير ثابت..خطوة خاطئة..ثانية واحدة..انزلقت قدمي...فطار الطبق من يدي...وسقطت محتوياته...جمبري بصلصته...على فستانها الأبيض.

توقفت الضحكات والموسيقى..رفعت نهى عينيها نحوي..لم تصرخ..لم تشتم.

اقتربت فقط...وانحنت وهمست بين أسنانها بابتسامة مشدودة:

أنت دائمًا تفسدين كل ما تلمسينه...حسابك بعد ما يمشوا....

ثم استدارت...وارتسمت على وجهها تلك الابتسامة الاجتماعية

ثم استدارت...وارتسمت على وجهها تلك الابتسامة الاجتماعية...كأن شيئًا لم يحدث..قلبي بدأ يدق بعنف..كنت أعرف هذه النظرة..حفظت معناها من قبل..التهديد المؤجل.

مرت العزومة..زوجة آبي ضحكت..تبادلت المجاملات..ودعت ضيوفها..أما أنا فكنت أعد الثواني...لا الساعات.

وحين خرجت آخر واحدة...نادتني من المطبخ..كان الهواء مشبعًا برائحة مرق يغلي..حلة كبيرة على النار...فقاعاتها تصعد كأنها تحذرني.

وقفت أمام الموقد...ويداي ترتجفان..جاء صوتها هادئًا أكثر من اللازم: تعالي هنا

خطوت خطوة واحدة وفي لحظة واحدة فقط...شعرت بالنار..لم أفهم ما حدث فورًا..لكن الألم شرح كل شيء.

سكبت الحساء على ذراعي..لم يكن حادثًا…لم يكن انزلاقًا.

كانت يدها ثابتة...وعيناها باردتين.

صرخت..صرخة خرجت من عمق الصدر...لا من الحنجرة.

سقطت على الأرض...والنار تلتهم جلدي...وجسدي كله يرتجف.

وقفت فوقي...تنظر بلا انفعال..قالت بهدوء مريض:

دلوقتي حسيتي يعني إيه لما حد يبوظ حاجة غالية؟...لم أعد أرى بوضوح.الدموع...الألم...الرعب...اختلطوا.

ثم…سمعت باب الشقة يفتح.

خطوات أبي..دخل المطبخ.رآني على الأرض.رأى الذراع المحترق..رأى الحلة المقلوبة…ورأى زوجته..تغير وجهه.

ليس غضبًا..بل رعب…ركع بجانبي...مد يده نحوي...صوته خرج مكسورًا: مين عمل فيكي كده؟

حاولت أن أتكلم..لكن لساني خانني

هي سبقتني بالكلام: اتزحلقت ووقعت بالحلة…وأنا حاولت ألحقها....

لكن صوتها لم يكن مقنعًا..وأبي…كان يسمع لأول مرة بعيونه.

اقترب أكثر.تفحّص الذراع..ثم رفع كم الذراع الأخرى.

وسعت عيناه..كانت هناك آثار قديمة..حروق مختلفة…ندبات لم تختفي.

قال بصوت منخفض: دي مش أول مرة

انهرت..بكيت كما لم أبكِ من قبل..اعترفت بكل شيء.

عن الحروق…عن التهديد…عن صمتي

قال لي بهدوء موجع: من إمتى؟

قلت: من أول يوم دخلت فيه البيت....صمت طويل.

ثم التفت إليها…قال ببطء: اقفلي باب الشقة

ثم التفت إليها…قال ببطء: اقفلي باب الشقة

تجمدت..كرر كلامه مرة اخرى.أغلقت الباب.قال:

من غير صوت....

وهنا…عرفت أن حياتي لن تعود كما كانت..حين أُغلق باب الشقة...لم يعد الهواء كما كان…كأن الجدران نفسها حبست أنفاسها...وكأن البيت فهم أخيرًا أن السر انكشف.

وقفت خلف أبي...أرتجف...ذراعي ملفوفة بفوطة مبللة...والألم يصعد في موجات حارقة..وبالرغم من ألالم شعرت بالخوف..ليس منها…بل مما قد يفعله أبي حين يواجه الحقيقة كاملة.

التفت إليها ببطء..لم يكن في عينيه غضب رجل عادي

التفت إليها ببطء..لم يكن في عينيه غضب رجل عادي...بل صدمة أب يكتشف أنه كان غائبًا عن جريمة ترتكب داخل بيته.

قال بصوت خافت لكنه قاطع:.من إمتى وإنت بتعذبي بنتي؟

ضحكت ضحكة عصبية...محاولة الإنكار:.إنت مصدق الكلام ده؟ دي بتمثّل...دايمًا بتحب تلعب دور الضحية

اقترب خطوة.لم يرفع صوته.وهذا كان أخطر..قال:

كنتي فاكرة إني أعمى؟

اتجه أبي نحو غرفة النوم

اتجه أبي نحو غرفة النوم...فتح الدولاب...وأخرج ملفًا بني اللون.

فتحه ببطء..صور…تقارير طبية…تشخيصات…تواريخ.

قال وهو يقلب الصفحات:

دي كنتِ مخبياها فين؟

شهقت..سقطت منها كل الأقنعة دفعة واحدة..قال بصوت مبحوح:

كنت شاكك...بس ما تخيلتش القسوة دي

لكن وقت الاعتذار قد فات

صرخت هستيريًا: دي بنت مريضة! زي أمها!

قال بانفعال: المريضة إنت....ثم التفت إليّ.جلس بجانبي...لفّ ذراعي بعناية...واتصل بالإسعاف..قال في الهاتف:

عندي حالة اعتداء داخل المنزل...نعم...زوجة الأب...سقط وجهها.بدأت تصرخ...تتوسل...تهدد.

لكن وقت الاعتذار قد فات..في المستشفى...لم يتركني أبي لحظة.

كان يمسك يدي كأنها آخر شيء يربطه بالحياة.

قال لي بصوت مكسور: سامحيني...اتأخرت

بعد أيام...عرفت الحقيقة كاملة

دخلت غرفة العمليات.نظفوا الحروق.لفّوا الضمادات.

وأنا خارجة...سمعت صوتها في الممر...تهمس بشر: ربنا ياخدك

رد أبي دون أن ينظر إليها:

إنت السبب في اللي وصلتي ليه....

بعد أيام...عرفت الحقيقة كاملة.عرفت أن أبي كان يجمع الأدلة منذ سنوات.أنه لاحظ الغياب.الندبات.الصمت الطويل..لكنه انتظر اللحظة التي لا يمكن فيها الإنكار.

ظننت أن الأمر انتهى.كنت مخطئة

خرجت من البيت..أُغلقت الأقفال.اختفت متعلقاتها..تبرع بكل ما يخصها..قال أمام الناس: أنا خلاص طلقتها.

ظننت أن الأمر انتهى.كنت مخطئة.في منتصف الليل...أيقظني الألم.ثم صوت باب الشقة.

خرجت مفزوعة.وجدت أبي واقفًا في الصالة...وجهه متجهم..قال بهدوء يخفي عاصفة:

متخافيش...ده انا.

عرفت بعدها أنها قدمت بلاغًا ضدي..اتهمتني بأنني أحرقت نفسي لألفق لها التهمة..ادعت أنني غير مستقرة نفسيًا.

بدأت الحقائق تظهر

ضحكت…ضحكة مجروحة..قال أبي بحزن: لما الشر يملأ القلب...كل شيء ممكن

بدأت التحقيقات..جلست أمام الضابط...يدي ترتجف.

قال: احكي من الأول....

وحكيت.عن كل حرق.كل تهديد..كل ليلة عذبتني فيها.

قلت: كانت دايمًا تقولي لو اتكلمتي هطلعك مجنونة

رفعت ذراعي..قلت: دي مش مجرد ندوب...ده تاريخ

بدأت الحقائق تظهر.الجيران.المدرسة.الأطباء.كلهم أكدوا أن الحروق ليست ذاتية..زاوية الإصابة..عمقها..تكرارها.

انهارت هي.صرخت في القسم: دي بنت شريرة!

قال أبي جملة لا أنساها: لو الشر ده كله طلع من بنتي...يبقى أنا اللي أستاهل العقاب...أنا ربيت إنسانة...مش وحش

دخلت القضية المحكمة..وقفت أمام القاضي..رأيتها هناك...ترتدي الأسود...لكن عينيها ما زالتا تحملان نفس القسوة.

رفعت ذراعي..قلت: دي مش مجرد ندوب...ده تاريخ

لكن أعظم حكم…

سكتت القاعة..صدر الحكم..إدانة..حبس..تعويض.

لكن أعظم حكم…كان حين احتضنني أبي بعد الجلسة وقال:

من النهارده...مفيش حد يوجعك....عدنا إلى البيت.

غيرنا الغرفة.فتحت النافذة.دخل النور.

ما زالت الندبات موجودة..لكن الخوف...اختفى.

ولهذا أحكي..ليس للترند..ولا للتعاطف.

أحكي لأن الصمت ليس أمانًا دائمًا.

أحيانًا…الصمت جريمة في حق نفسك..وإن وصلتِ إلى هنا،

فاعلمي أنك لستِ وحدك..وأن القوة...تبدأ حين تتكلمين.


تعليقات