دافني
قصة دافني بقلم سلمى
وقفت قريبة من نافذة المستشفى تتأمل أضواء الميناء، ساكنة متأهبة للانقضاض في أي لحظة، تنفست بعمق الهواء المشبع برائحة الحرب أخذت تشكي البحر معاناتها، لم تركتني وحيدة في أشد أوقات احتياجي، لقد اشتقت لك، كنت أسعد نساء العالم وأنت بجواري.
ارتفعت الأمواج معلنة التمرد والعصيان، تتسابق في دعوة صامتة للأتحاد معها، هدرت أمواج البحر
_تعالى يا غرام معي فسوف تكوني ملكة بلا منازع.
قالت بإصرار: اغراءتك لا تهمني فهو الوحيد ما نبض له قلبي، من أضاء شمعة حياتي الباردة.
_ لماذا مازالت متمسكة بسراب، ألم يحن وقت ترك هذا العالم البشري فليس هناك ما يربطك به بل قطع آخر حبل بموت حبيبك.
هزت رأسها برفض: لا لم يمت ثم وضعت كفها على قلبها وضغطت بقوة، هنا مازال ينبض بالدفء.
أدارت ظهرها للبحر، تأبى الإستماع إلى مغرياته، لن تستمع سوى لمن أمتلك قلبها وشعورها أنه مازال حي يرزق.
فاقت من شرودها منتفضة على أصوات صفارات الإنذار معلنة حالة الطوارئ.
غرام نحتاجك معانا صاحت زميلتها منادية
أجابتها غرام بحذر ممزوج بخوف مما هو أت: ماذا حدث.
ردت عليها بأنفاس تلهث: العديد من المصابين، نابليون وجنوده مع جنودنا الأبطال، هيا الآن وسوف تعرفي ما حدث لاحقًا.
هرولت مع زميلتها نحو غرفة العمليات، غطت الدماء أرضية الغرفة، استعدت لاستقبال المصاب، نظرت إلى الحمالة ذات العجلات وهي تتوقف تحت النور الدائري، ثقتها تبددت تحولت إلى أشلاء عندما رأته.
قالت بهمس غير مصدق: أنور
اثنين من الممرضات قاموا بوضعه فوق سرير العمليات تحت نظراتها المصدومة، لم تستطع التحرك أو إبعاد عينيها عن حبيبها، رؤيته ممدًا أمامها غارق في دمائه واكتشافها أنه حي أمام عينيها.
تمتمت بخفوت: يا الله أعطني قوة التحمل.
هتفت الممرضة: تم تخدير المصاب، القدمين سيتم بتر'هم.
أومأت رأسها غير قادرة على الكلام، أجبرت نفسها على التنفس زفرت ببطء، رفعت الغطاء الأبيض عن جسده، تملكها الذعر وهي تكتشف سوء حالته، فكلتا قدميه ممز'قة بالكامل، تملكها شعور عارم بالغثيان، أنها على وشك فقدانه فوضعه خطير، الخوف طغى عليها خوفًا من فشلها، أدارت رأسها رافضة ما رأت.
قالت رقية: غرام مابك، سأقوم بالعملية نيابة عنك إذ كنت تشعرين بتوعك.
أغمضت عينيها تحاول استعادة السيطرة على اعصابها، تنفست عدة مرات ثم وجهت نظراتها اللامعة المصممة وهي تقول: أنا بخير، شعرت بالذعر وهي تلتفت له لكنها سريعًا ما أغلقت مشاعرها وركزت على جسده الغائب عن الوعي فحياته بين يديها، رفعت النسيج الممزق عنه، أمسكت المشرط، أطرافها تحركت بمعزوفة ثابتة خيطت الأوتار معًا وشفتيها تتمتم بكلمات مبهمة غير مفهومة، مرت عدة ساعات ويديها لم تتوقف عن الحركة ركزت كل طاقتها الداخلية نحوه وعندما انتهت مررت أطرافها على كل إصابته وهي مازالت تتمتم بتعوذيتها الخاصة التي تستطيع إنقاذه من بتر قدميه.
تعالى تصفيق الجميع لها، مباركين لها نجاح العملية.
قالت رقية بعدم تصديق: إنت مذهلة يا دافني، حققت المستحيل بحفظك على قدميه، اخبريني ماذا كانت تهمس شفتيك طوال الوقت.
مررت يديها فوق جبينها لتمسح العرق وهي تقول: شكرًا للجميع، أما عن الهمس فهو سر نجاحي، شعرت بألم حاد يعصف بداخلها فهي بذلت مجهود انضب كل طاقتها، الغرفة تمايلت أمامها، كادت تقع لولا إسناد رقيه لها.
تردد اسمها بداخل عقلها، غرام هل أنت بخير؟
فتحت عينيها واستعادت الجزء المتبقي من طاقتها لكي تظهر متماسكة أمام الجميع فقالت بابتسامة شاحبة: أصابني دوار خفيف بسبب الوقوف عدة ساعات ومع قليل من الراحة سيزول ثم تركتهم مغادرة.
رمش عدة مرات قبل فتح عينيه حتى تعود على الضوء المسلط تجاهه، مر بعض الوقت عندما أدرك عقله أين هو، شعور مبهم سيطر على حواسه وهو يراها تقترب بخطوات مهرولة.
تنفست بشدة قبل أن تلتفت إلى صوت الممرضة وهي تقول: استعاد وعيه من بعض الوقت، وجميع وظائفه جيدة.
اختفى ألمه، شعر كأنه مفصول عن العالم انتفض قلبه حين رأها، بدت أجمل شهية محببة، ابتسامة فرحة داعبت شفتيه: غرام
كانت على وشك الانهيار باكية وإلقاء نفسها بين ذراعيه فهو ظل فاقدًا الوعي لفترة طويلة لم تنبس بكلمة، الوقت غير مناسب لإظهار مشاعرها، رسمت بصعوبة الجدية على وجهها، قامت بتدوين بعض الكلمات في الدفتر الممسكة به.
شعر بالحيرة من تجاهلها فهو ظل غائبًا بعيدًا عنها لا تعرف مكانه، قال اسم تدليلها: حلوتي.
صوته كان كشعاع دافىء منعش اخترق الجدار البارد لقلبها، يكفي أن تنبث شفتيه بالكلام ليتحول الصقيع بداخلها إلى أشعة شمس حارقة.
دون إرادتها إتسع فمها بابتسامة، أشارت إلى الممرضة لتنصرف، دفعت خصلة من الشعر الأحمر خلف إذنها وهي تقول: ارتاح ولا تتكلم إلا بعد انتهائي من الكشف عليك.
فتح شفتيه لكنها وضعت سبابتها على فمه قائلة بهمس: أرجوك دعني أولًا أقوم بواجبي وسوف نتكلم لاحقًا.
لمستها أضفت سحرًا على كلاهما، اختفى كل شيء ولم يبق سواهم ينظر كل منهم إلى الآخر باشتياق، هي أول من كسرت الهالة السحرية بهزت رأس خفيفة فصحته أهم في الوقت الراهن وجميع التساؤلات لاحقًا.
ارتدت زوج من القفازات، جلست جواره، ازاحت الغطاء إلى أسفل قدميه ثم قامت بفحص وظائفه الحيوية، راقب في صمت يديها الصغيرتين وهي تتجول فوق جسده، أعصابه أصبحت شديدة الحساسية لأي لمسه حتى لو كانت مهنية، تقابلت عيونه السمراء مع عيونها الزرقاء لمح بداخلهم إدراكها لطبيعية افكاره.
همست برقة: ستشعر بالألم قليلاً، فتحت الأربطة المحيطة بقدميه، أجفل وهو يشعر بلذعة من الحرارة تغزو قدميه، اتسعت عينيه بذهول لرؤيته وهج ابيض انبعث من إصابته اختفى بسرعة، سألها بصدمة: ما هذا الضوء؟
ادعت عدم الفهم: أنت تلهو، لا يوجد أي ضوء.
تمتم بحيرة: أكيد.
عندما انتهت من لف الأربطة الجديدة، ابتسمت له: الآن أستطيع القول حمد لله على سلامتك.
لمعت ذكرى إصابته، فتهف بانفعال: ساقي.
اختفت ابتسامتها وظلت صامتة، كرر سؤاله ساقي.
تنهدت بحزن: استطعنا الحفاظ عليهم ولكن لن، بترت كلامها
قال بإصرار: ولكن ماذا؟
التوت شفتيها بابتسامة باهتة: سأخبرك كل شيء لاحقًا.
مرت الأيام، قضوا الساعات معًا، خلال هذه الفترة أخبرها إنه تم أسره وحاولت المقاومة تحرير الأسرى، لكن كان هناك خائن بينهم، تم تبادل إطلاق النار خلال محاولة تحريرهم.
همست برقة: هذا هو اليوم الاخير لك هنا.
ارجع رأسه للخلف على الكرسي الجالس عليه، أطلق تنهيدة طويلة قبل إرجاع رأسه للأمام: اليوم الأخير، أحيانًا تمنيت عدم انقاذك لي.
جمدت في مكانها، مرت عدة ثواني قبل أن تقول بلهجة عنيفة: لن أسمح لك بالموت، الجميع قالوا إني مجنونة عندما أصررت بأنك مازالت حي، لمّا أتيت هنا مصاب رفضت بتر قدميك بالرغم أن الجميع قال البتر هو الحل، وأنا حافظت على كلتا قدميك.
هتف في وجهها: قدمين لا نفع منهم مجرد شكل لا أكثر.
هزت رأسها ثم قامت بدفع كرسيه إلى النافذة تأملت البحر: اسمع جيدًا سوف تقوم من فوق هذا الكرسي وتستعيد حريتك، أنا رفضت وفعلت ماحرم عليا مع بني البشر من أجلك.
ردد مكررًا بحيرة: بني البشر، ماذا تقصدي؟
ابتسمت له قائلة: هل أنت تحبني ومستعد لفعل أي شيء، هل تريد حريتك؟
زحف على وجهه الوسيم ظلال عابسة: طبعًا أحبك ولا أريد الشعور بالضعف، لكن أشعر بالحيرة، أوقات أشعر أن وراءك لغز.
_ سأخبرك كل شيء أنور ولك حرية الإختيار.
بعد مرور بعض الوقت وقفت بجواره على شط البحر، تنقل نظراتها بين البحر وحبيبها.
قال بوجه مقطب: لماذا أتينا هنا؟ ومتى ستخبريني بالحقيقة؟
شعرت بأحشائها تشتد، وقت الحقيقة حان، أغلقت عيونها، أخذت نفسًا عميق وقالت: هنا كما يقولو الملاذ، الشاليه الخاص بي، كما ترى فهو منعزل عن العالم، ائتِ هنا عندما أكره نفسي وهي تتكلم كانت تقترب من الشط حتى لامست المياه قدميها، تحركت إلى عرض البحر دون توقف.
هتف بانفعال: غرام أنت لا تعرف العوم.
صاحت من خلف ظهرها: كانت إحدى كذباتي فأنا سباحة ماهرة ، من أجلك أنت تنازلت عن عشيرتي، عندما رأيتك في قاربك تصطاد نبض قلبي لك وعرفت وقتها بأنك وليفي ولكن من بني البشر ختمت كلامها وهي تغوص بكل جسدها في البحر.
دفع كرسيه بعنف تجاه البحر وهو يصيح: غرام لا تكوني مجنونة.
أخرجت رأسها من البحر وقالت: أنا غرام حفيدة بينيوس، عروس البحر.
هز راسه برفض: اتركي جنونك هذا واخرجي. أخرجت ذيلها المغطى بالحراشف لكي يصدقها، ارتسمت علامات الذهول على وجهه وهو يقول: حورية، لمعت العديد من الذكريات التي جمعتهم معهم، إنك حقًا حورية.
سألت بقلق: هل مازالت على حبك؟
أومأ رأسه: نعم حبيبتي برغم صدمتي ولكن الحب والعشق كفيل بكسر جميع القيود.
ابتسمت برقة: هل ستحقق امنيتي الوحيدة؟
_ وماهي؟
_ الزواج.
قطب وجهه بألم عندما تذكر وضعه: بوضعي هذا؟
أشارت له بالاقتراب، لامست عجلات الكرسي مياه الشاطئ، خرجت هي الأخرى حتى أصبحت قريبة منه مدت يدها له، الطريقة التي نظرت بها جعلته يشعر بالسكنية وأنه لا يستطيع العيش بدونها، تشابكت الأصابع وساعدته بالجلوس بجانبها، أحاطها بإحدى ذراعيه، يد دافئة لمست خدها بقوة: الزواج بك أمنيتي الوحيدة حلوتي ولكن كما تعلمي أنا نصف رجل ولن أقبل أن أكون نصف رجل بالنسبة لك.
قالت بزفير عميق: ولكن هناك حل؟
_ وما هو ؟ أنا أعلم جيدًا أنه لا علاج لحالتي، سألت اكثر من طبيب، وهذا لن يمنع شكري لك بالحفاظ عليهم.
_ بالفعل هناك حل عن طريق الزواج بي ينتقل جزء من سحري لك، تستطيع العيش في البحر معي بكل حرية أما البر لن تستطيع الحركة، تمتمت بخفوت موافق بالزواج مني والعيش إلى الأبد في المحيط.
وضع كلتا راحتيه على وجهها وزمجرة ترددت في حنجرته: طبعًا حلوتي فوطنك هو موطني، أنتِ تخليتي عنه من أجلي وأنا أيضا سوف أتخلى عن هذا العالم من أجلك، همس برقة: هل نستطيع الزواج.
ارتسمت ابتسامة لعوبة على شفتيها: الآن.
المشاعر غلبتهم والحب بينهم رمى أي ظلال وشكوك لديهم في مهب الريح، الحب لا يعرف المستحيل، لا يعرف قيود، لا يعرف الفوارق فهو قدر محتوم.
