لم أكن أعلم أن وجبة صغيرة قد تعني إنقاذ حياة كاملة.
ما علّمتني إياه ليلة الثلاثاء
لم يخطر ببالي يومًا أن ليلة عادية في منتصف الأسبوع.يمكن أن تعيد تعريف معنى الولاء في حياتي كلها. كانت ليلة ثلاثاء هادئة في ظاهرها.
دخلت المطعم متأخرة عن موعد العشاء مع أحد العملاء. المكان مكتظ.الطاولات متقاربة والضحكات تتصاعد فوق أصوات الصحون والملاعق. كنت أبحث بعيني عن طاولتي المحجوزة عندما دوّى الصوت.
لم يكن صوتا بشريًا.بل شيء أقرب إلى صوت حيوان مكتوم.
قطة نحيلة رمادية اللون تسللت إلى الداخل. ربما كانت تطارد الدفء أو رائحة الطعام.أو مجرد ملاذ من الشارع. لم تتح لها فرصة حتى للالتفات. انقض عليها ناصر كبير الخدم وأمسكها ثم ألقها نحو الباب.
قال باشمئزاز وهو يمسح يديه في مئزره:
مقرفة.
تجمّد المكان لثوانٍ معدودة. ثلاث ثوانٍ فقط. ثم عادت الأحاديث وارتفعت أصوات أدوات المائدة وكأن شيئًا لم يحدث. كأن الشكوى إذ لم تكن بشرية فلا شيء يستحق التوقف.
راقبت من خلف الزجاج القطة وهي تجرّ جسدها نحو الزقاق المقابل. توقفت قرب حاوية القمامة.انهارت.وبدأ جسدها الصغير يرتجف.
العميل يمكنه الانتظار.
طلبت طبقًا بسيطًا: سلمون.أرز.وقليل من الكريمة. وعندما وصل.لم أجلس. حملت الطبق.تجاوزت الطاولة.وخرجت.
كانت عينا القطة تتابعانني. متسعتين
قلت بهدوء.وأنا أضع الطبق على الأرض:
اهدئي.طعام فقط.
تراجعت خطوات قليلة.منحتها مسافة وأمانًا. شمّت الطعام مرة.ثم مرتين.ثم بدأت تأكل بنهم لم أره من قبل. كأنها لم تذق وجبة منذ أسابيع.
غادرت عندما فرغ الطبق. لم أنتظر شكرًا. القطط لا تدين لك بالامتنان على الحد الأدنى من الإنسانية.
بعد ثلاث ساعات.كنت أسير وحدي في موقف سيارات شبه مظلم. الأضواء خافتة.والهواء بارد. سمعت خطوات خلفي.قريبة أكثر مما يجب. أسرع مما يبعث على الاطمئنان.
قبل أن ألتفت.ارتطم شيء بكتفي. سقطت بقوة على الأرض.
سمعت صوت خشن يقول لي:
المحفظة. الآن.
حاولت الوصول إلى حقيبتي وفجأة.سمعت الهسهسة.
كتلة رمادية اندفعت نحو وجه المهاجم. مخالب تلمع.وأسنان مكشوفة. القطة. قطة الزقاق. كيف وصلت؟ لا أدري. لكنها كانت هناك.تقاتل لأجلي.
صرخ الرجل.تعثر.ثم فرّ هاربًا.
لم تطارده القطة. وقفت فوقي.ظهرها مقوس.تصدر صوتًا تحذيريًا نحو الظلال.حتى عاد نفسي منتظمًا.
همست مذهولة:
هل تبعتني؟
أطلقت مواءً قصيرًا.ثم جلست بجانبي.كحارس يؤدي واجبه.
قضيت يومين في المستشفى. كدمات في الأضلاع.ارتجاج خفيف. قال الطبيب إن الأمر كان يمكن أن يكون أسوأ.
و عندما خرجت.عدت مباشرة إلى الزقاق. كانت هناك. ملتفة في المكان نفسه.
قلت لها:
ستعودين معي إلى البيت.
لم تقاوم. تبعتني كأنها كانت تنتظر.
سميتها شمشمش. لأنه أصبح حارسي.
مرت أيام وأنا أتعافى ببطء. كان الألم في أضلعي يذكرني كل صباح بما حدث.لكن وجود شمشمش عند قدمي السرير كان كفيلًا بأن يخفف كل شيء. كانت تنام هناك.لا تتحرك إلا إذا اقترب أحد أكثر مما ينبغي.فتطلق هسهسة تحذيرية قصيرة.وكأنها تعلن أن هذا المكان بات محميًا.
بعد أسبوعين.عدت إلى المطعم. كان وقت الظهيرة.والازدحام في ذروته. الوجوه مبتسمة.الضجيج مألوف.ولا شيء يوحي بأن القسوة يمكن أن تعيش في مكان كهذا.
كان ناصر يعمل على الأرض. يبتسم للزبائن.ينحني.يتصنع اللطف. لم يتعرف عليّ في البداية.
طلبت مقابلة المديرة. جلست أمامها بهدوء وأخرجت الأوراق واحدة تلو الأخرى: التقرير البيطري.تقارير المستشفى.ولقطات من كاميرات المراقبة في موقف السيارات.تظهر ظلًا رماديًا صغيرًا يهاجم اللص.
قلت بهدوء:
هذه القطة هي نفسها التي طردها عليها خادمكم. بعد ثلاث ساعات فقط من طردها من مطعمكم.أنقذت حياتي.
شحُب وجه المديرة. لم تقل شيئًا طويلًا. لم يكن هناك ما يُقال.
تم فصل ناصر في ذلك اليوم.
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.
كنت أملك عقارًا تجاريًا على بعد شارعين. مستودعًا صغيرًا.كنت أخطط لتأجيره. بدلًا من ذلك.حوّلته إلى ملجأ إنقاذ للقطط الضالة. مكان نظيف.هادئ.مليء بالأقفاص المفتوحة.والبطانيات.وأوعية الطعام.
وظّفت ناصر هناك. عامل نظافة. الحد الأدنى للأجر. أربعون ساعة أسبوعيًا. بشرط واحد لا يقبل النقاش: أن يعمل مع القطط. يطعمها.ينظف أقفاصها.ويحاول كسب ثقة تلك التي يصعب الاقتراب منها.
في يومه الأول.جاء شاحب الوجه. كان يبدو كمن ينتظر العقاب لا العمل.
في الأسبوع الثالث.تغير شيء ما.
دخلت الملجأ صباح أحد الأيام.فوجدته جالسًا على الأرض. قطة بنية مخططة.ذات ندبة قديمة.كانت نائمة في حضنه.
قال بصوت منخفض:
لا تريد تناول الطعام مني.جلست معها ساعة فقط. أتكلم.
ناولته مكافأة صغيرة.
جرّب هذا.
شمت القطة يده.ثم أخذت الطعام بلطف.
ابتسم ناصر. ابتسامة حقيقية.لم أرَها من قبل.
همس:
لم أكن أعلم أنهم قادرون على الغفران.
قلت:
هم لا يحملون ضغينة.فقط يتذكرون من كان آمنًا.
بعد ستة أشهر.جاءني ناصر في نهاية يوم طويل. لم يكن صوته مترددًا هذه المرة.بل متزنًا على غير عادته. قال إنه يرغب في أن يتدرّب ليصبح منسقًا للملجأ.لا مجرد عامل يؤدي ما يُطلب منه. قال إنه يريد أن يفهم القطط أكثر.أن يعرف كيف تُنقذ.لا كيف تُطرد. وافقت فورًا.دون تردد.كأن القرار كان ينتظر أن يُقال بصوت عالٍ.
في الأسبوع الماضي.نفّذ أول عملية إنقاذ باسمه. قطة صغيرة تُركت في موقف سيارات.ترتجف من البرد والخوف. حملها بحذر.كما لو كان يخشى أن يؤلمها حتى بنظرة. سماها نُوَّار. قال إن الاسم يعني الضوء.وإنها كانت أول شيء مضيء يفعله بيديه.
المفارقة لم تغب عن أيٍّ منا. لا عني.ولا عنه.
أما شمشمش.فما زالت تنام عند قدمي كل ليلة. ما زالت لا تمنح ثقتها بسهولة.ولا تقترب من الغرباء إلا بعد حذر طويل. لكنها تنظر إليّ بالطريقة نفسها.كأنني صنعت العالم بيدي.رغم أنني لم أفعل أكثر من مشاركة وجبة في لحظة عابرة.
أرسل لي ناصر رسالة بالأمس:
شكرًا لأنك لم تتخلي عني.
لم أرد فورًا. لم أشعر بالحاجة إلى الكلمات. اكتفيت بأن حككت شمشمش خلف أذنيها.أراقب عينيها وهي تُغلق ببطء.وأفكر كيف يمكن لفعل واحد من اللطف.حين يُمنح بلا انتظار أو حساب.أن يمتد أثره عبر الزمن.ويغيّر مصائر لم نكن نعلم بوجودها.
القطة التي أطعمْتها.أصبحت حارستي.
والرجل الذي آذاها.أصبح صوتها.ويدها.وملاذها.
وتعلمت أن الجزاء من جنس العمل ليس انتقامًا كما نتصور.
ليس عقابًا مؤجلًا.ولا حسابًا قاسيًا ينتظرنا في الخفاء. إنه مرآة صافية تعكس حقيقتنا كما هي حين لا يرانا أحد.
دفعت شمشمش يدي برأسها.وأطلقت خرخرة هادئة.مطمئنة.
ضحكت وقلت:
نعم يا صغيرة.أعلم. أنتِ البطلة الحقيقية.
مواءٌ قصير.واثق. فخور.
وفي مكان ما من هذه المدينة.ربما كان ناصر يقول الجملة نفسها لقطة وثقت به أخيرًا.بعد أن عرفت أن الأيدي يمكن أن تتغير.وأن القسوة ليست قدرًا أبديًا.
الدائرة أُغلقت.
الدَّين سُدِّد.
والدرس.لم يعد فكرة.بل سكن القلب.واستقر.